ardanlendeelitkufaruessvtr

حديث الخميس: الغزل النسوي في الادب العربي

حسان الحديثي 
هناك سؤال فيه شيء من الحرج بقي قيد الكتمان واذا يطرح فيطرح -في الغالب- على استحياء وهو: 
ما هي حدود الغزل في أدب الشاعرة المعاصرة والى اي مدى تستطيع الشاعرة الابداع فيه؟
والجواب عليه لا يقل حرجاً عن السؤال عنه، غير اننا اذا نظرنا اليه من واقع أدبي تاريخي ومعاصر وبنظرة فنية شعرية سنخرجه -ولو جزئياً- من مخبأه ونسحبه من ظلمته الى ارض النور ووضوح الرؤية. 
الغزل -كما هو معروف- غرضٌ صعب بل هو الغرض الأصعب في الشعر العربي والذي تقاس عليه شاعرية الشعراء وابداع المبدعين منهم وقد عدَّ اهل الادب هذا الغرض بمثابة الميزان الذي يحتكم عنده الشعراء ولن يكون الشاعرُ شاعراً حتى يبدع في الغزل. 
 
وتحتاج الشاعرة أمرين كي تُبدع في الغزل؛ تحتاج الى الشاعرية -بكل ما حوت هذه الكلمة من معان وصفات ودلالات- وتحتاج مع كل ما تقدم الى الجرأة، فلو كتبت الشاعرة أعذب ما يُكتب بلا جرأة تفصح فيها عن مكنوناتها لبقي الغزل عندها ناقصاً غير مكتمل الجوانب حتى تمتلك الجرأة في الافصاح في الوصف والبث والشكوى.
ولكن يجب ان نعلم ان هناك شعرةً رقيقةً وفجوة دقيقة بين الإبداع والإبتذال وان لم تُراعَ هذه الشعرة وتلك الفجوة من قبل الشاعرة وتعلم ما لها وما عليها كانت بين امرين قاتلين للشعر وهما جانب الغلو والاسراف وجانب التقليل والتقصير فهي إن غالت وأسفّت وقعت في المحظور، وان قللت وقصرت جاء شعرها بارداً باهتاً لا يرقى ان يكون شعراً والامر ذاته بالنسبة للشاعر ولا فرق بينهما في هذه الجزئية البتة غير ان الشاعر مطلق في جرأته متحرر من قيدها والشاعرة رهينة قيدها وأسرها
 
كذلك يجب العلم بأن الفن اوسع من ان يحاصر والابداع اكبر من ان يحدد وان كانت الاديبة العربية محاصرة اجتماعياً فيما مضى فهي اليوم في فسحة من ذلك ولا اظن ان الأديبة العربية اليوم محاصرة ثقافياً كما كان في السابق 
ورغم ما كانت تعاني منه الشاعرة قديما الا اننا قرأنا لها اعذب الاشعار في الغزل، واذا ما نظرنا الى الثقافة العربية في مشرقها ومغربها بين حضارة الادب في العراق والشام والجزيرة العربية وبين حضارة الاندلس سنتمكن من اخذ مثالين لشاعرتين عاشتا في فترتين متقاربتين زمناً مختلفتين تحضرا وثقافة وفكراً. 
 
فقد قرأنا لولادة بنت المستكفي قبل ما يزيد على الف عام فكانت شاعرة متفتحة الفكر عذبة المعنى مقتدرة على انشاء نص شعري مكتمل الاسباب ولها عدة قصائد في باب الغزل تقول في احداها:
أَلا هَـل لـنـا مـن بـعـد هــذا التفرّقِ
سبيلٌ فيشكو كـلّ صـبٍ بـمـا لـقـي
 
وَقد كنتُ أوقات التزاورِ في الشـتا
أبيتُ على جمرٍ من الشوق محرقِ
 
فَكيفَ وقـد أمسيتُ في حال قطعه
لَقد عـجّـل المـقدور مـا كنت أتّقي
 
تمرُّ اللـيالي لا أرى البين ينقـضي
وَلا الصبر من رقّ التشوّق مُعتقي
 
سَقى اللَه أرضاً قد غدت لك منزلاً
بكـلّ سـكوبٍ هـاطـلِ الوبلِ مُغدقِ
 
ولعل قائلا يقول: هذا عهد بلاد الاندلس وفيه ما فيه من التحضر والانفتاح على ثقافات الحضارات الاخرى مما اتاح لولادة ان تقول وتفصح فتبدع  كذلك كونها أميرة تعيش في بيت امارة قد اكتسبت منه بعض الحرية المفقودة لدى الشاعرات الاخريات.
 
فأقول لقد قرأنا لليلى الاخيليّة قبل ما يزيد على الف عام اعذب الاشعار في توبة الحميري، ليلى الاخيلية التي نشأت بين مجتمعين قاسيين؛ مجتمع البداوة العربية ومجتمع المدّ الاسلامي ايام الدولة الاموية ومع ما يتصفان هذان المجتمعان وهاتان الثقافتان من انغلاق قبلي وديني الا اننا قرأنا لليلى شعراً يكاد يندى عذوبة ويسيل رقة لكنها مع ذلك لم تغادر واقعها ولم تتزيَّ بغير زيِّها العربي البدوي الاسلامي فحافظت على شعرها من الاسراف والغلو والامتهان وحافظت عليه ايضاً من التحجيم والتقليل والتقصير فجاء ناضجاً قوياً لطيفاً لا تكاد تشوبه شائبة ولا يعترية ضعف ولها شعر باكثر المواقف حساسية حين اوشكت من توبة الحميري -وهو الرجل الذي احبها واحبته- اوشكت منه خيفةً وأنّه ربما ذهب به عقلُه مذاهب الطيش والخفة التي تذهب بعقول الرجال الى الزلل وانتهاك ما لا ينتهك فقالت مصرحة بلا استحياء ولا حرج:
وذي حاجةٍ قلـنا لـه لا تبحْ بها
فليس إليها ما حـييتَ سـبـيـلُ
 
لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نخونَه
وأنت لأخـرى صـاحبُ وخلـيلُ
 
صدقاً أقول: أنني لم اقرأ قولا جمع بين العفة والصراحة -وهما أمران متضادان- على لسان امرأة مثل ما قرأت في هذين البيت الرائعين والرائقين، ليس ذلك فحسب بل اضافت اليهما حسن القول ولطافته بتصريح بلا صلافة وتجريح وافهام دون قسوة وتبريح. 
 
فقالت بعد قولها هذا :فلا والله ما سمعت منه ريبةً حتى فرّق بيننا الموت وقد ذكر صاحب الاغاني ان الحجاج قال لها: فما كان منه بعد ذلك؟ اي بعد سماعه لهذين البيتين ؟
قالت: وجّه صاحباً له إلى حاضرنا وقال له: إذا أتيت الحاضر من بني عبادة بن عقيل -وهم قوم ليلى- فاعلُ شرفاً اي اصعد ربوةً ثم اهتف بهذا البيت:
 
عفا الله عنها هـلْ أبيـتـنَّ لـيلـةً
من الدهر لا يسْري إلي خيالُها؟
 
فلما فعل الرجل ذلك عرفتُ المعنى فقلت له:
 
وعنه عفا ربي وأحسن حِفظَهُ
عـزيـزٌ عليـنا حـاجـةٌ لا ينالُهـا
 
واني ارى في هذه المحاورة المختصرة شعراً كثيرا وغزلا يبلغ من العفة ما لم يبلغه الشعر العربي في عصوره قديما وحديثاً
 
وحين مات فتى الفتيان توبة -كما اسمته- رثته ببضعة قصائد بقيت علامة مميزة في أدب النساء خصوصا وفي الادب العربي عموماً حين علت فيها على غيرها شعراء وشواعر وقد اترعتها معانياً وملأتها حكمةً فجاءت متكاملة من كل جوانبها الفنية والخلقية والدلالية ، تقول ليلى الاخيلية في رثاء توبة الحميري:
 
فأقسـمتُ أرثي بـعـد توبةَ هــالــكاً
وأحـفـلُ مـن دارتْ عـلـيه الـدوائـرُ
 
لَعَمْرُكَ مَـا بِـالـمَوْتِ عارٌ عَلَى الفَتَى
إذا لم تُـصِـبْـه فـي الحـيـاة المعايرُ
 
وَمَـا أَحَـدٌ حَـيٌّ وإِن عـاشَ سـالِـماً
بــأخـلـد مـمـن غـيّـبـتـهُ الـمــقـابـرُ
 
ومَنْ كانَ مِّما يُحدِثُ الدَّهْرُ جَازعاً
فلا بُـدَّ يَـوْمَـاً أن يُـرى وهـو صابرُ
 
وليس لذي عيش عن الموت مَقصرٌ
ولـيـس عـلـى الأيـام والـدهر غـابرُ
 
ولا الـحَيُّ مِـمّـا يُحدِثُ الـدَّهْر مُعتَبٌ
وَلا الـمَيْـتُ إِنْ لَمْ يَصْبِرِ الحيُّ ناشِرُ
 
وكـل شـبـابٍ أو جــديــدٍ الـى بـلـىً
وكل امـرىءٍ يـومـاً إلـى الله صـائرُ
 
وكــلُّ قَــريـــنَـــيْ إلــفــةٍ لــتــفـرقٍ
شــتـاتـاً وإن ضنّـا وطـال التعاشرُ
 
ولـكِـنَّـمـا أَخْــشـى عَـــلَـيْـهِ قَـبِـيلَـةً
لَـها فـي دُرُوبِ الـرُّومِ بَـادٍ وحاضِرُ
 
فـآلـيـتُ لا أَنْـفَـكُّ أَبْـكِـيـكَ مـا دَعَتْ
عـلـى فـنـن ورقـــاء أو طـــار طائـرُ
 
قَـتِـيـل بَـنِـي عَـوْفٍ فـيـا لَـهْـفَـتـا لَهُ
ومـــا كُـنْـتُ إِيَّـــاهُـــمْ عَـلَيْـهِ أُحاذِرُ 
 
وانا اعتقد ان الغبن والتقصير الذي لحق بشعر الشاعرات العربيات يكمن في الرواية وليس في الشعرنفسه، حيث ان جلّ الشعر النسوي القديم مات واندثر لحرمانه من الرواية التي كانت بمثابة الاعلام الادبي للقصيدة العربية فلم يُتَحْ للشاعرات رواةُ يسيرون باشعارهن ويرووه كما أتيح للشعراء وذلك انها لم تكن حاضرة لمجالس الشعراء ولا لاسواقهم وتجمعاتهم ولا لامعاركعم الادبية وتراميهم ونقائضهم كي يسمع منهن الرواة ويحفظوا اشعارهن ويسيروا به بين الناس كما حدث مع الشعراء فبقيت اشعارهن حبيسة اكثرها مات بموتهم والنزر القليل الذي خرج لا يعبر عن واقعهن ولا يشير الى حالهن ولا يعطي صورة حقيقية عن النساء الشواعر في تاريخ الأدب العربي.
 
كما لم تتح لهن تقاليد القوم ولا ثقافة المجتمع حينها من اتخاذ الشاعرات رواةً كما الشعراء بالاضافة الى صعوبة اطلاق كل ما تكتبه الشاعرة خوفا من التشهير والاتهام بما لا يليق بها وبقومها، كل ذلك اسباب في موت واندثار كثير من شعر النساء، والا ما السبب في اننا لا نستطيع ان نحصي عشر شاعرات في تاريخ الادب العربي بينما نحصي مئات الشعراء؟ 
 
اما اليوم فلا تحتاج الشاعرة راوية لشعرها لينتشر ولا سوقا ولا مناسبة فقد تيسر الأمر بامكانية حضور الشاعرة محافل الشعر ووقوفها على المنابر ومنافستها في مسابقات الشعر شأنها شأن الشاعر كما انتفت ايضاً الحاجة للرواة وباتت الطباعة وبات النشر والظهور الاعلامي اموراً ميسرة للشاعرة كما للشاعر، بل لعل هذا الانفتاح اثر سلباً على الادب النسوي فظهر مؤخراً نوع من الشاعرات ليس بينهم وبين الشعر اية صلة يصدرن همهمات غير مفهومة ويجمعن المفردات الى بعضها بطريقة غريبة لا يستطيع المتلقي ان يقف فيها على معنى او دلالة ولا على ماهية أو جوهر والأعجب من ذلك ان بعضهن يلحقن بنهاية عباراتهن بحرف واحد وكيفما اتفق فقط لتنتهي عباراتهن بقافية واحدة وان اختلف الرويُّ دون مراعاة لحركتها او ملائمة لمعناها، انهن وبكل اسف يكتبن وهماً محضاً يسمينه شعراً وهو ليس من الشعر بشيء وهناك من الشعراء من يفعل ذلك ولكنه عند النساء أوسع واكثر وأوضح وأشهر
 
اما عن مساحة الحرية في التعبير بين المرأة والرجل في المجتمعات العربية حالياً فالفضاء مفتوح للشاعرة كما اسلفت بشرط عدم الاسفاف فذلك امر منكر مكروه في الشعر كله لانه يقتل الابداع وما يُحظر على الشاعر يحظر على الشاعرة ايضاً والعكس صحيح.
قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الخميس, 23 آب/أغسطس 2018 20:15
حسان الحديثي

حسان الحديثي
عراقي من مواليد مدينة حديثه/العراق ويعيش حالياً في المملكة المتحدة
كاتب وباحث ودارس في ألادب العربي وتاريخه
يكتب في عدد من الصحف والمواقع الادبية
له كتاب ” حديث الخميس" بجزأين
ومخطوطة ” والسياب شاعر الانسانية الاكبر ”

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It