طباعة

افتضاح السر

بقلم السماح عبدالله تشرين1/أكتوير 08, 2018 689
السمّاح عبد الله
 
هي جربت معه التجاريب كلها، وأوقدت في بهو المعبد الشموع كلها، وأطلقت في المجاز البخور كله، فقط، لكي يستدل على روائحها، ويعرف حنين الخطوات الجوعانة.
في الليل، ترسل له المكاتيب المبلولة، وفي الصباح، ترسل له المناديل المطرزة بالأشواق، وهو في سجنه مشغول بمناجاة الله، يقرأ المكاتيب فيجف بللها، ويمسح عرقه بالمناديل، فتخفت الأشواق، لاشيء يجدي مع هذا الطفل الذي صنعته على عينيها، فكبر جميلا، وجرى بهيا أمام فتنتها، دون أن ينتبه، نبهته كثيرا، وأشارت إلى أساور الذهب في رقبتها، فرأى الذهب، ولم ير رقبتها، وأمسكت أصابعه ووضعتها على عينيها ليعرف حجم الأسى، فرأى البريق اللامع في العيون، ولم ير الدموع، رسمت له سلالم صاعدة إلى ماء نهر النيل، فصعد، ورد تحية العصافير الحوّامة، فرحانة، ترفرف فوق أشرعة المراكب المسافرة إلى البلاد البعيدة، ولم يجرب عطش الماء الجاري من البلاد للبلاد، أخيرا، غلّقت الأبواب، وقالت له كل شيء بلا مواربة، ولا خجل، قالت له عن رقبتها اليافعة، وعن دموع عينيها الفياضة، وعن عطش الماء الجاري، حاولت أن تفهمه أن الماء، أحيانا، يعطش كما يعطش الناس والحيوان والزرع، إلى الماء، لكنه كان مشغولا بمناجاة الله.
الأنبياء ليسوا كالبشر، نعم، فما ذنب البشر حتى يحرقوا في نار محروقة؟ أليست هذه الفدادين المترامية على ضفتي نهر النيل، في حاجة للاحتطاب؟، أيحتطبها البشريون وحدهم، إن في هذا ظلما كبيرا للفدادين الكبيرة، فالبشريون ليست لهم غير خبرة الأرض، يمسكون بالفأس، ويرشون الماء، ويسهرون طوال الليل يتنظرون، فتنبت الأرض البصل والثوم، والقمح والشعير، والرمان والعنب، في مواقيتها المعلومة، أما الأنبياء، فإن لهم خبرة السماء، ينظرون للنجوم الطوافة، ويسهرون طوال الليل يتنظرون، فيهطل الطر في غير مواعيد الهطول، وتخضر الدنيا كلها، فتنبت الأرض بصلا وثوما في الصيف والشتاء، وقمحا وشعيرا في الصيف والشتاء، وتنبت الرمان والعنب في الصيف والشتاء، في مواقيت يعرفها الله والأنبياء والعصافير الحوّامة، فرحانة، ترفرف فوق أشرعة المراكب المسافرة إلى البلاد البعيدة.
سألتها وصيفتها:
ما بلغ عشقك ليوسف؟
فردت أصابعها أمام عينيها، وقالت:
مرة، جُرحت يدي، فسال دمي على رخام الحجرة، كاتبا: "يوسف" "يوسف".
كحّلت زليخة عينيها بالغضب، كي لا تأخذها الشفقة بالمتمنع، وارتدت فوق قميصها قميصا إضافيا لونه داكن، حتى لا يرى أحد غيظ حشاها الفوّار، وعبقت أرجاء الحجرة بالبخور، حتى لا يشم الحرّاس الدخان الناتج عن حريق قلبها، ونادت الجلاد، وأمرته أن يجلد يوسف في سجنه خمسين جلدة كل يوم، لمدة شهر كامل.
بعد مرور الشهر، استدعت زليخة الجلاد، وسألته:
كيف كان جلدك للسجين؟
أجابها بجهامة الجلاد المتمرس:
كان وقعه شديد الألم عليه، حتى أن العصافير الحوّامة فوق أشرعة مراكب نهر النيل، تساقطت مقتولة.
زليخة، ألقت عليه الشمعدان الذهبي، وهي تصرخ بلوعة كبيرة:
أنت كاذب أيها الجلاد.
الجلاد قلبه فيه فدادين لا نهائية من الإيمان، ولا يستطيع أن يجلد نبيا، حشوُ عينيه نور، وملء جيوبه أمان، وكان أن عقد اتفاقا معه، يمثل أنه يضربه، وهو يمثل أنه يتألم، فقد كانا يعرفان أن زليخة تتصنت على الباب.
أعاد الجلاد الشمعدان الذهبي إلى مكانه الأبدي، ومسح بكمه آثار الجرح في وجهه، وسألها:
يا مولاتي، لا أحد يعرف سرنا إلا أنا وهو والعصافير الحوّامة فوق أشرعة مراكب نهر النيل، فكيف عرفتِ؟
أمرته بأن يشعل الشمعدان الذهبي، وعندما ضوّء النور مجال الكلام، نظرت في عينيه، وأجابته:
لأن قلبي لم يتألم لعذاب يوسف.
عندما خرج الجلاد إلى البهو العريض، ونظر إلى ماء نهر النيل، رأى العصافير الحوّامة، فرحانة، ترفرف فوق أشرعة المراكب المسافرة إلى البلاد البعيدة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
قيم الموضوع
(0 أصوات)