ardanlendeelitkufaruessvtr

ما تطشّه الحروب تلمّه المخيّلة

بقلم محمد حياوي كانون1/ديسمبر 16, 2018 848

ما تطشّه الحروب تلمّه المخيّلة
ما زلت أعتقد بأن ثمَّة الكثير من “طشاري” في الطريق، فما تطشّه الحروب من ذكريات موجعة يلمّه الخيال، الذي يعدّ أكثر العوالم ملاءمة للعيش المحتمل، كما يقول خافيير مارياس.
كلمات يحتاج العالم إلى سماعها اليوم
لم يكن فوز رواية “طشاري” للكاتبة والروائية العراقية أنعام كجه جي بجائزة لا غاردير مفاجأة من نوع ما، إذا ما نظرنا إلى كم الإبداع العميق الذي احتوته وتقانة الصنعة الروائية فيها.
وإذا كانت “طشاري” قد لفتت الأنظار منذ ظهورها على قوائم البوكر وفوزها بعدد من الجوائز وترجمتها إلى الفرنسية، فإنّها من جهة أخرى، تعد نموذجا مبهرا للرواية العراقية الجديدة التي بدأت تبلور ملامحها وتتجسد تقنيا وسرديّا بعد العام 2003، ليس لخلوها من الترهل والتعقيد وحسب، بل لتمكنّها من رصد معاناة العراقيين المغتربين وانسحاقهم بين المنافي والحنين إلى الوطن الذي تحوّل إلى ذكريات أليمة مُدافة بعبق الماضي الجميل، بعد أن بدّدت الحرب كل شيء.
ولمن لم يلحظ فإن رواية “طشاري” تعد رواية حرب من الطراز الأوّل في تصديها للهزّات النفسيّة الارتدادية العميقة لزلزال الاحتلال الذي حدث في العراق، قدر الحرب الأعمى، هكذا أطلقت أنعام على كم المعاناة المتدفق في روايتها، وهو قدر جعل من العراقيين المنفيين قسرا عن وطنهم، أسرى سجنهم النفسي المُعذِب، شيء يشبه الهروب من جنّة الضياع إلى نار الأمان من وجهة نظري.
إن معجزة الرواية الحقّة تكمن في قدرتها على تجسيد تلك الاعتمالات النفسيّة ونجاحها في رصد المعاناة الجمعيّة والانهيارات المجتمعية في أزمنة الحروب والمتغيرات الكبيرة التي تمر بها الأوطان في فترة من الفترات. لقد تمكنت أنعام وبواسطة بطلتها “ورديّة إسكندر” من تسليط ضوء كاشف على تركيبة الشخصية العراقية وبنيتها العاطفية الهشّة وهي تحاول ترويض دفق الحنين إلى الوطن.
إن هذا البوح الفادح والإيغال في حفر الجراح بسكّين الذكرى لهو نوع من أنواع جلد الذات، أو معاقبة النفس التي تمادت في الاستسلام لقدرها ولم تجرؤ على الانتصار للوطن الذبيح بالعودة إلى جحيمه على الأقل، لقد قالت أنعام مثل هذا الكلام، أو بهذا المعنى في مكان ما كما أذكر، وهو الأمر الذي يعكس
شدّة تأثر الكاتب بالمتغيرات في بلاده التي يبقى مشدودا إليها بحبال من وجد صوفي إن جاز التعبير، حتّى لو كان بعيدا عنها بجسده وفق مقاييس الجغرافيا.
وطالما قلت إن المتغيرات المجتمعية العميقة التي تحدثها الحروب والاحتلالات لا بدّ أن تختمر في الذاكرة الجمعية، وما إن يحدث هذا، حتّى تبدأ بالتجسد على شكل تجارب إبداعية مُلهمة لاحقا، أقصد حين تختمر في مخيّلة الكتّاب والمبدعين. وكلما أوغلنا في الوقت، كلما شهدنا تجارب مختلفة تكاد تُمسك ملامحها الإبداعية الوطنية وهوّيتها المحلية، لتقدّم للعالم تشريحا للحمنا الحيّ على طبق الرواية هذه المرّة.
إن ما قالته تلك الرواية هو كلمات يحتاج العالم إلى سماعها اليوم. فنحن في عصر هجرة جماعية ولجوء ونفي جماعي. وفي كلّ عام يتم اقتلاع عدد لا يحصى من الناس من أوطانهم وإجبارهم على الفرار، تاركين وراءهم عائلاتهم وممتلكاتهم وتاريخهم وذكرياتهم، هاربين من أنظمة قمعية ليعيشوا غرباء في أوطان الآخرين.
يقول إدورد سعيد في “تأملات في المنفى”، يجب علينا عدم إضفاء الطابع الرومانسي على المنفى، بل التذكير بجموع الناس المفزوعة التي أنشئت من أجلها وكالات الأمم المتحدة”. كما يعتقد بأن المنافي قد “مزقت الملايين من الناس تحت وطأة الجغرافيا، بعد أن تركوا وراءهم الذكريات التي لا تعوض إلى الأبد”.
وما زلت أعتقد بأن ثمَّة الكثير من “طشاري” في الطريق، فما تطشّه الحروب من ذكريات موجعة يلمّه الخيال، الذي يعدّ أكثر العوالم ملاءمة للعيش المحتمل، كما يقول خافيير مارياس.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It