هرمون

بقلم ملاك الأحمد كانون2/يناير 19, 2019 1604

ملاك الأحمد

سأكبر يوما ما . وأصبح امرأة وانتقم من قاتل والدتي المسمى هورمون ..
لطالما كنت طفلة هادئة وحساسة لدرجة لاتوصف . أستلقي بمخبأي السري وأطالع النجيمات الصغيرة التي تظهر بخجل من نافذة الغرفة العلوية في منزلي . الخزانة القديمة لجدتي هي سريري المُؤقت عندما أهرب من مُشاجرات والداي .

تحتضنني لعبتي الصغيرة التي يبدو إنها تخاف من الصراخ والصوت العالي . نطالع سويا السماء ونتسائل ،، ماذا يريد هذا المدعو هورمون من والدتي . ولماذا عندما يتشاجران تبكي وتصرخ : إنه بسبب الهورمون ..

إنها الهورمونات : حاول أن تفهمني أرجوك . خالد . خالد . أنا لست مجنونة . ساعدني حبا بالله لم أعد أعرف نفسي . لست أكذب ولا أتخيل ترهات . أن لم تصدقني حاول أن تطلع على العالم وأكتب بهاتفك اللعين وأقرأ بنفسك مدى تأثيرهُ على نفسية النساء . خالد . أسمعني فقط . أعلم أنك غاضب مني . ماذا أفعل . الأمر ليس بيدي . خذني لطبيب نفسي . ليس جنونا . أنا بحاجة لشخص يتفهمني . يا الهي .. لست السبب .. لم أقصد هذا حقا . خالد . خالد . أين تذهب . خالد . لا تتركني بمفردي أنا أرجوك ..

هكذا تنتهي ليلة أخرى من ليالي والدتي . تبكي بمفردها ثم تأخذ قرصا مهدئا وتبحث عني وتحتضنني وهي تخفي دموعها وننام سويا . والدي بعيد جدا عنا فهو لايكلمني البتة . فقط والدتي تُسرِحُ شَعري وتهتمُ بي وتشكي لي في بعض الأحيان عن هموم لا أفهمها ،،

أنا متعبة صغيرتي : لا تحزني لان والدك لا يهتم بك . لديك أنا . أحبك كثيرا . لا تفزعي من صراخنا . هذا كله بسبب الهورمونات التي تفقدني صوابي . ربما بسبب كثرة العلاجات التي تناولتها بالآونة الأخيرة . والدك يتهمني بالجنون .لا أعلم حقا . يبدو أنني ضائعة بحق . حالات الاكتئاب بدأت تتزايد لدي ولا أملك القوة الكافية لإيقافها . نحن في مجتمع شرقي . زيارة الأطباء النفسيين لدينا شبه منقرضة . لأننا مثاليين ولا ينقصنا العقل لنراجع شخصا يحاول أن يحدد لنا ماهو الصواب أو الخطأ !! مجتمع شرقي بحت . فالزوجة خلقت لإرضاء الزوج فقط وإذا تكاسلت بهذه المهمة ستشاركها أخرى لتعينها بإرضائه . وهو لا ترضيه قبيلة من النساء ،، نحن ياصغيرتي في مُجتمع شرقي مثالي حيث لا يشكو أحدنا من أمراض نفسية فأصغر فرد في المُجتمع يستطيع حل القضية . أما أن تكوني مجنونة أو أصابك مس من الجن !! لا خيار ثالث . نحن ياصغيرتي في مجتمع يعلو بمكانة الرجل ويكاد يجلعهُ ربا يُعبد . مُجتمع ينجب الإناث . ويوأدها .. لم يختلف الأمر عن السابق قديما كانوا يدفنوننا ونموت .. والآن نحيا لنموت باليوم ألف مرة… نحن ياصغيرتي مجتمع شرقي سطحي جدا ...

عندما تحتضنني والدتي وتتحدث هكذا وكأنها تحادث نفسها . أشعر بالشفقة والحزن عليها ويبدو أن الأمر خارج عن إرادتها . لم لا يحاول والدي تفهمها ؟ هل بسبب حالات النسيان التي أصابتها بهذه الفترة ؟ أم البكاء دون سبب ؟ أو حتى الرقص المجنون دون موسيقى ،، أن كان محقا باتهامها بالجنون . ماذا يسمى هذا !! يبدو كلامها منطقيا رغم أني لم أفهمه ،،

حاولت هذه المرة أن أستمع لوالديَّ إثناء الشجار
أسمعيني جيدا سارة : مللت من تصرفاتك المجنونة . ما الذي تريدينه . لا أريد أطفالا ولا حياة سعيدة . ولا عائلة . أرجوك . أريد الكف عن الشجار . تعبت . لم أعد أشعر أني في منزلي . أنا أقيم بمصحة للمجانين . يكفي . ارحميني قليلا . لقد نسيتي أيقاضي هذا الصباح للعمل وأنت وعدتيني . عدا أشياء أخرى سارة . تعبت من تقلب مزاجك . أحيانا أظن أنك تتعمدين فعل هذا وتريدين أن أهجرك . هل تحبين شخصا أخر . تحدثي . أقسم أني سأجنُ . مالذي تريدينه سارة . لقد غدوت كالجحيم . تغيرت كثيرا . تبا لكل هذا .. وكالعادة أبي يخرج غاضبا ووالدتي تبكي بمفردها . ثم قرصا مُهدئا والبحث عني والنوم سويا .

اشتدت النزاعات بينهم ومرة من المرات أخذت والدتي مجموعة كبيرة من الأدوية ثم استلقت على الأرض حوالي النصف ساعة ثم دخل والدي مرتعبا وحملها وخرج من المنزل وبعد منتصف الليل عادا وأجلسها بأحضانه . كان يحاول تهدءتها ، كانت تخبره أن يناديني لابد من أنني خائفة لكنه كان يقول .لابأس عليك . لاتقلقي . إنها نائمة الآن . نامي فقط . لا عليك . في الصباح سنبحث عنها . حزنت لان والدي لم يناديني ونمت تلك الليلة محتضنة لعبتي الصغيرة فوق خزانة جدتي القديمة ، يحرسني القمر والنجوم ...

لا أعلم ربما استيقظت بعدة عدة أيام وربما لبثت أكثر من ليلة هنا !! لأن صراخ والدتي وهي تبحث عني أفزعني فذهبت إليها راكضة . احتضنتني بقوة وهي تبكي وتعاتبني على اختفائي ، لم أعرف كيف أفسر لها ... عندما يكون والدي حنونا معها وقريبا منها ومتواجدا في المنزل لا أستطيع النزول ، قوة ما تمنعني ، أنام فقط في العلية إلى آن تبحث عني والدتي كالمجنونة ، توصلت لحقيقة ما . وهي عندما تتحسن علاقة والدي بها أختفي من حياتهما . لا أعرف كيف !! ولكن يبدو إنها بدأت تنساني . الشيء الغريب . أنني لم أستمع لشجارهما هذه الفترة ،، لذا أنا حبيسة الغرفة طوال هذه المدة . ويبدو أنني احسدهما فقد بدأ الصراخ الآن .

خالد : لقد نسيت أبنتي لعدة ليالي . أيعقل هذا . لا أذكرها . وأنت بكل بساطة لا تبالي . لما لا تهتم بصغيرتنا ..
سارة : صغيرتنا ماتت منذ ثلاث سنوات . ضعي هذا في رأسك المريض يكفي . لقد مللت وتعبت . صغيرتنا ماتت . ماتت . أنت تتخيليها ليس إلا . منذ الحادث وأنت تهذين . كوني واقعية فقط . أبنتك ميتة . وأنت لايمكنك الإنجاب أبدا . أتركي كل العلاجات التي تؤثر على صحتك . لقد أستخرجوا رحمك الصغير . تقبلي هذا الأمر أرجوك . هورموناتك ليست منتظمة . أنت مشوشة جدا وأنا تعبت . لم أعد قادرا على استيعابك ..

كالعادة نفس النهاية الدرامية . يغادر والدي ، تبكي والدتي لساعات بمفردها ، لكن هذه المرة لم تبحث عني بل ذهبت لغرفتها واستلقت بمفردها على السرير الذي لطالما جمعنا بعد نوبات البكاء الهستيرية ، رأيتها تتكور على نفسها ويبدو إنها تشعر بالبرد!! شعرت بمرارة تعلق بفمي ثم الم ينهش بكل أجزاء جسدي وبرودة شديدة ، اقتربت منها علي التمس بعض الدفء . أحسست بشيء دبق ساخن يلتصق بقدمي الصغيرة ثم اجتاحتني برودة قارسة وفزع ، رأيت قدمي تصطبغ بحمرة قانية ، ابتعدت قليلا ، فاصطدمت بذراع والدتي الممدودة بالفراغ ونهر من الدم النقي يتسرب منها ،

لم أفهم ماذا يحدث!!
هل تعبت ذراعها المعلقة في الهواء من السؤال ؟
هل أنفجر عقلها الصغير من كل التساؤلات وتراكمات الأفكار ؟
لو أخذ أحدٌ بيدها هل كانت ستكون بنفس هذه الحالة الآن ؟
هل كان صعبا لهذه الدرجة أن يفهمها والدي ؟

لكن ما لم أفهمه هو أنني ميتة !!
مامعنى هذا أصلا !! من أكون إذا !!
هل أنا مجرد شبح !! أم مجموعة أفكار مجنونة برأس والدتي!!
أم مجرد ملاذ آمن خلقته والدتي لها !!
أم أنا هو الذي قتلها تلك الليلة * هورمون *

المغزى من هذه القصة !! هي أن المرض النفسي كسائر الأمراض لديه أعراض جانبية وعلاج وتشخيص ومضاعفات فلما نضعه بخانة بعيدة مرفوضة . المرأة كالمحيط عميقة جدا ومليئة بالأسرار فلو غصت قليلا فقط داخلها لأهدك اللؤلؤ والمرجان . خذ بيد أقرب الناس إليك قبل أن تفقده وحاول مساعدته وتفهم مشكلته وهذا نصف العلاج . ولاتعالج الأمور كما تنظر أنت أنما كما ينظر هو . وضع نفسك مكانه وحاول إيجاد طرف خيط للمشكلة . كلنا لدينا ملاذ آمن يقبع في الغرفة العلوية نلجأ إليه عندما نكون بمفردنا خائفين وحيدين وهذا الملاذ المؤقت يختفي عندما نشعر بالأمان مع الأشخاص المقربين إلينا .

وأن فقدناه ستبتلعنا الوحدة وتأخذنا إلى اللامكان حيث تكون غايتنا الوحيدة آنذاك البحث عن السكينة والاطمئنان . نحن لسنا مثالين فالكمال لله وحده ، لذا لنعترف بنقصنا واحتياجاتنا . ولنكمل بعضنا البعض .

فالهرمونات هي التي تتحكم بمشاعرنا وحياتنا

 

قيم الموضوع
(6 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه