ardanlendeelitkufaruessvtr

قانون الجذب تحت المجهر

الكاتبة والمُفكّرة التونسيّة
نسرين ولها

يدعو بعض العلماء النّاس إلى تفعيل قانون الجذب في حياتهم من أجل جذب رغباتهم وكلّ ما يتمنّون الحصول عليه. وحسب نظريّتهم: " يستجيب قانون الجذب لما تصدره موجة المرء التّرددية بإعطائه المزيد منها سواء أكانت إيجابية أم سلبية ". ومن هنا، يُمكن لكلّ مُطبّق لقانون الجذب الحصول على المزيد ممّا يريد والتّقليل ممّا لا يُريد.
بكلّ شجاعة أدحض هذه النّظريّة التي أعتبرها شطحة من شطحات عقول العلماء في عالم الخيال العلميّ. فالحُجج التي تدعم قانون الجذب هي في نفس الوقت سلاح ذو حدّين، إذْ تحمل مفاهيمًا أخرى أصحّ وأقرب إلى الحقيقة.
ونذكر على سبيل المثال الكلام الشّائع التّالي " هل سمعت عن هؤلاء الذين يجدون أنفسهم واقعين في علاقات فاشلة مرّة بعد أخرى، وهم يتذمّرون دومًا من انجذابهم لنفس النّوع من العلاقات؟ إنّ قانون الجذب موجود في حياتهم أيضًا." في الواقع، الأمر لا علاقة له بقانون الجذب على الإطلاق. ولُبّ المعضلة يكمن فيهم. ذلك أنّهم لا يحسنون اختيار شريك حياتهم أو حبيبهم. فتجدهم يتنازلون عن الصّفات الأساسيّة التي طبعوها في مخيّلتهم عن فارس أحلامهم والتي لا تتوفر في الطّرف المقابل على أرض الواقع. وبالتّالي، التّنافر هو مصيرهم وفشل علاقتهم نتيجة بديهيّة وحتميّة.
نأتِي الآن إلى أهمّ حجّة استدلّ بها لتأكيد قانون الجذب في حين أنّها الدّليل القاطع على مدى عدم صحّة النّظريّة وهشاشة بُنيتها، والتي تقول " هل سبق أن لاحظت أنّ ما تحتاج إليه قد يحدث لك، أو قد يأتيك من مكالمة هاتفيّة مفاجئة؟ أو، هل اصطدمت في الشّارع بشخص كنت تفكّر فيه للتّو؟ رُبّما قابلت العميل أو شريك الحياة المثالي بمحض الصّدفة أو من خلال الذّهاب إلى المكان المناسب، في الوقت المناسب. كلّ هذه التّجارب هي بمثابة دليل على وجود قانون الجذب في حياتك." بل إنّ كلّ هذه التّجارب هي بمثابة البرهان الجليّ البيّن على أنّ الله يسمعك وقد استجاب لك من دون أن تنطق بحرف واحد. لا أدري لماذا العلماء الذين يُقدّسون العلم كثيرًا لا يُؤمنون بأنّهم في الحقيقة يُقدّسون من أنشأ كلّ ذلك العلم العظيم. فهم يبحثون دومًا على تضخيم قُدرات الطّبيعة بكلّ مكوّناتها وتحميلها ما ليس في استطاعتها. إنّ الله معك أيّها الإنسان في كلّ نفس تتنفّسه شئت أم أبيت.
ثمّة كلمات يعتبرها المفكّرون المفتاح الذي يفتح باب قانون الجذب على مصراعيه، منها: " مُفاجأة، نصيب، مصادفة ،قدر، هبط علي من السماء ، تزامن، حظّ ، كنت أقصد ..." و هذه الكلمات بالذّات لا تدلّ على قانون الجذب و إنّما تؤكّد طبيعة راسخة في البشريّة .فالإنسان يميل إلى تضخيم الأحداث التي يمرّ بها من باب إضفاء طابع من التّشويق على حياته و تسليط الأضواء على كلّ ما يلفت النّظر و يحبس الفكر. فما يصيب دهشة النّاس ليس الحدث نفسه وإنّما عدم قدرة العقل على تحليله وفكّ أحجية وقوعه ونشأته. ولمّا يصاب العقل بدوار الجهل، يصاب صاحبه بالمُفاجأة و التّعجب. ثمّ، ما من شيء يجري دُون حسبان. فكلّ شيء مقدّر، وله زمن يضبطه، وحين تتوفّر جميع أسبابه يحدث. والمفاجأة هي حدث لم يتوقّع المرء حدوثه في تلك اللّحظة لسبب واحد ألا وهو جهله بالكيفيّة التي خوّلته لنيله.
علميًّا، محيطنا ممغنط بطاقة عظيمة من الموجب والسّالب. و العقل البشري لديه مركز بثّ و استلام التّردّدات .
طاقة الإنسان تكون إيجابيّة في حالة القبول وتكون سلبيّة في حالة النّفور والرّفض. ولا تجذب شيئًا وإنّما لها تأثير مباشر على الإنسان والمحيط القريب منه. فكلّما رفضَ المرء شيئًا ما أو نفر منه، شُحن بتردّدات سلبية وأطلق طاقة سلبيّة. وحينما يُطلق العقل تردّدات مُضادّة يُعتبر ذلك سلاح ضدّ. والعكس صحيح، إذْ يستطيع العقل أن يطلق تردّدات استقبال كذلك. وكلّ هذه التردّدات تدخل في عمليّة تفاعل معقّدة في ذات الإنسان وترسم معالم حياته؛ وهذه الآليّة تتمّ من دون وعي المرء مثل تشكيل أو إنتاج الأحلام وإخراجها. فالعقل البشريّ لديه إمكانيّات هائلة تُشبه هوليود في صناعة أفلام الأحلام .
أيضا، يستقبل العقل البشري كلّ شيء بحواسّه، لكنّه لا ينتبه إلاّ لما يعنيه و يهتم به..أي ينتبه العقل لما يثير اهتمام المرء و يُركّز عليه فقط . بعد الاستقبال، تتمّ عمليّة فرز داخل المركز العقلي. وحدها الأشياء المُهمّة هي التي تبقى.
ولذلك، قد يحتاج المُعلّم إلى تكرار موضوع علميّ عدّة مرّات لكي تضبطه عقول التّلاميذ و تتمكّن من فهم أسراره .
إذن، العقل يستجيب لما يناسب رغبة المرء و تطلّعاته .
المحيط الأقرب للمرء يكون محلّ طمأنينة بالنسبة لعقل صاحبه لأنّه مجربّ لديه و مأمون. وهذا ما يُسمى بالانسجام. في حين أنّ النّتائج والأهداف تحصل وفق معادلات دقيقة بمعنى عمليّات إجرائيّة يسعى فيها الإنسان حتى يتحصّل على مبتغاه. وليس لقانون الجذب أي صلة بها على وجه التّحديد. أصلاً، ليس لقانون الجذب أي أساس من الوجود إلاّ في خيال العلماء .
لمّا تكون لك نظرة إيجابيّة إلى كلّ ما يُحيط بك مهما أصابتك من مصائب وعلى الرّغم من كلّ المشكلات التي تعترض مسار حياتك من دون توقّف، ستحافظ على قدر كبير من استقرارك النّفسي الضّروري لمواصلة ما تبقّى من عمرك. وبتحكّمك في طاقتك الموجبة من خلال عدم استجابتك للسّلبيات من حولك، ستحمي أعصابك من التّلف و تضمن سلامتك الصّحية.
ثمة فرق شاسع بين من يحيا بصدر رحب منشرح و في كامل صحّته و بين من يعيش حياته ساخطًا كئيبًا تعيسًا .. أي" مريضًا " بأتمّ معنى الكلمة ...
وخلاصة القول، عندما تكون لك عين إيجابيّة ترى نصف الكأس الملآن وتغضّ النّظر عن الجزء الفارغ منه، ستكون معظم قراراتك ناجعة، وستتصرّف في المواقف الشّديدة بحكمة، وستخرج من المحن بأقلّ الأضرار وأخفّها.
تحرّكْ، إذًا، فالأهداف لا تُنال بالتّمنيّ! تخلَّ عن خيالك المرهف، وانهضْ وسرْ في سبيل حُلمك، وأثبت لهم جميعًا أنّ السّعي هو الأساس وهو اللّبنة التي بها يكتمل المُراد.

قيم الموضوع
(1 تصويت)
نسرين ولها

كاتبة وشاعرة تونسية

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It