ardanlendeelitkufaruessvtr

محنة الكتابة ... إضاءة ومفتاح

علي السوداني

ومن كوابح ومطبّات وفخاخ الكتابة والنتاج الابداعي الصرف ، هو أنك في اللحظة التي تقنص فيها لمعة أو ثيمة صالحة مدهشة كي تبني فوقها قصة أو بعض رواية أو باب قصيدة ، فإن زائراً ثقيلاً سينزل فوق مائدة الكتابة ، فيجعلك نكداً ساكتاً زارعاً مرفقيك على سياج الطاولة ، ومستعملاً أصابعك العشر في تشبيك فروة رأسك ونتف فوائض لحيتك ، فتصير مثل عصف يابس تذروه ريح الحروف وتتراكلهُ زحام الافكار .
في هذه الحال التي حرنت فوق سقم السؤال ، سيكون عليك أن تصير مثل أرض تدور حول نفسها ، وسوف تتنوع وتتقسم زوايا نظرك وسيتيسر تحت يمينك أثاث حيوي ولمعات كثيرات سينبني على تلها العالي نصك المشتهى .
مفردة النص هنا هي مفردة مخادعة ومواربة ومفتوحة وحمالة وجوه وتفاسير غير منتهية ، والحق هو أنني غالباً ما أستغيث بها في عملية ممنهجة ومتعمدة لإحداث خلل مؤقت في منظومة الإستلام التي يحملها مخ القارىء ، بغية سحله إلى نهاية القراءة ومن ثم قصفه بسطر أخير يسمى سطر الزبدة الذي يسبب له دهشة ايجابية ، فتخف درجة كراهيته لي وربما سيبوس يده وجهاً وقفا لأنني قد أوصلته غانماً بعض طعم النهاية السعيدة ، والسعادة هنا هي تلك المتولدة عن قراءة القصة وليس أختها المشهورة البليدة التي تشرح لك بملل عظيم نجاح البطل في الهروب من السجن المشتولة ببابه امرأة هائلة ذبلت رموشها من خرير الدمع وسواخن الهجر وطواحين الفراق .
وهكذا كما ترون وتقرأون ، فأنني لم أنجح بعد في خلق بؤرة مركزية تلتقي بفمها نهايات الحبال ، لكنني سأواصل دقّ الصور على حوائط الكتابة ، ثم القفز نحو عجّانة الحروف وتلبيس هذا بذاك وذاك بهذا ، وكان عليَّ الآن أن لا اكرر الجملة الفائتة لأن معنى هذا بذاك هو تمام معنى ذاك بهذا ، وفي هذه اللحظة القائمة سيكون بمستطاعي أن أشم ريح غضبكم وكراهيتكم وهي تسفي عند أعتابي ، لكنني لا أشعر بالقهر أو الحيف فالحق حقكم ولو كنت مكانكم لتركت فوراً قراءة المكتوب ، وذهبت مذهب نصف الخسران وانتقيت لي شاشة كرة أو لعبة سياسة وسائس ، أو شريطاً سينمائياً عتيقاً ، أو الرحيل الى بيت الشعر وقتل أول المساء بعذاب الإنصات الى شاعرة تقبض بيمينها على مايكرفون ضخم يشبه مخروط مثلجات لذيذ .
تلك كانت واحدة من طرقي الشيطانية في رص الحروف وتدويخ الطير وتنطيق الخروف ، وفي ذلك تحفيز لدماغي بوصفي كاتب النص ، وتسييل لدماء مخك المتكلس الكسول بوصفك قارئاً عزيزاً حتى لو قتلتني بتنبلتك وانتظارك آخر ناقوط القصة العظيمة .

 

قيم الموضوع
(5 أصوات)
علي السوداني

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It