ardanlendeelitkufaruessvtr

القمة العربية الاوربية.. العكاز المكسور

بقلم د. قيس النوري آذار/مارس 09, 2019 730

القمة العربية الاوربية.. العكاز المكسور
اتسمت العلاقات الاوربية مع العالم العربي تاريخيا بالصبغة الاستعمارية، اذ مارست الامبراطوريات الاوربية من دون استثناء منهج القهر والاحتلال والاستلاب، ولم تسلم أقطار المشرق العربي ومغربه من الحملات الاستعمارية المتعاقبة بآثارها المدمرة، التي يعاني منها العرب حتى اليوم، لكن هذا الإرث السلبي لا يصلح مقياسا للاستذكار لبناء علاقات عربية أوربية حديثة قائمة على تفعيل المصالح المشتركة وتجاوز سلبيات الماضي القريب، فالمشكلة ليست هنا كونها مشكلة مركبة يعاني منها الطرفان العربي والاوربي معا، فالعرب منقسمون على أنفسهم وتوجهاتهم نحو دول العالم ومنها الدول الاوربية ولا تتسم هذه التوجهات بوحدة الموقف، اذ تصاغ المواقف العربية في علاقاتها الخارجية من منطلق قطري ضيق يتسابق على كسب الرضا على حساب مواقف عربية أخرى، بل يتقاطع في أحيان كثيرة، وهو ما يوفر فرصة للدول الاوربية للحصول على مزيد من المزايا التجارية بسبب تلك التقاطعات وبالأخص التوريدات العسكرية في ظل هاجس الخوف من الاخر .
الجانب الاوربي وبرغم تشكل الاتحاد كوحدة سياسية متكاملة اقتصاديا إلا أنه يفتقر إلى وحدة الموقف السياسي تجاه القضايا الدولية، ومنها ما يتعلق بالقضايا العربية، فهي مواقف غير متجانسة تتسم بالضعف الواضح لجهة عدم القدرة على الانتقال بالموقف السياسي إلى واقع إجرائي تطبيقي مؤثر، والامثلة هنا عديدة ومتكررة. ثم أن أوربا مجتمعة كاتحاد أوربي أو دول منفردة ما زالت أسيرة قيود استراتيجية من الصعب تجاوزها، ربما يكون في المقدمة منها مسألة الامن الجماعي الغربي الجماعي، فهذه الدول تنضوي تحت المظلة الأمنية والعسكرية الغربية (حلف الناتو) وهي بهذا أسيرة استراتيجية الحلف وتوجهاته بخاصة تجاه المناطق الساخنة في العالم ومنها المنطقة العربية حيث مكامن النفط والصراع العربي الصهيوني.
بالرغم من المحاولات الاوربية الخجولة لبناء موقف أوربي سياسي وعسكري مستقل عن القيادة الأميركية وتوجهاتها الدولية، إلا أن هذه المحاولات تواجه إعاقة واضحة من طرف الجانب الغربي من الأطلسي، ولم يكن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوربي إلا أحد المشاريع الأميركية لأضعاف الاتحاد الأوربي والسعي لأفشاله نحو تأسيس قطب دولي ثالث مستقل عن الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الصاعدة.
أن الارتباط العضوي لأوربا بالمنظومة الأمنية والعسكرية الغربية، الامريكية تحديدا، يجعلها في موقع احتمالية أن تكون ساحتها هي ميدان الحرب فيما إذا تصاعدت المواجهة الأميركية ــ الروسية، وهو هاجس ظل الاوربيون عموما يخشونه خلال عقود الحرب الباردة، ذلك الاحتمال الذي تتزايد مخاوفه في ظل العلاقات المتوترة بين الولايات المتحدة وروسيا التي تعظم قدراتها العسكرية بنحو ملحوظ، وهو ما يبقي مخاوف أوربا بالقدر الذي يزيد من الحجج الأميركية لحاجة أوربا إلى حمايتها من التهديدات المحتملة.
في ظل هذه المعطيات، ماذا تستطيع الدول الاوربية تقديمه لتفعيل علاقاتها مع العرب، وماذا يكسب العرب من قمتهم مع أوربا؟ أوربا لا تستطيع التحرك باستقلالية تامة عن ارتباطاتها الأطلسية، لا سياسيا ولا عسكريا، بمعنى أن العرب لن يحصلوا على موقف أوربي فاعل لجهة قضايا شعوبهم من مؤتمر القمة العربية الاوربية الذي عقد في شرم الشيخ مؤخرا، وهي قمة دول سواء العربية منها أم الاوربية لفقدان الاستقلالية الكاملة في اتخاذ قرارات على المستوى الاستراتيجي الخارجي، فمثلما أوربا مرتهنة أمنيا وعسكريا، فأن الدول العربية ليست في حال أفضل، فالوجود العسكري متعدد الجنسيات بقيوده الأميركية ينتشر في طول الوطن العربي وعرضه، وأنه يتوطن ويؤسس لقواعد عسكرية كثيفة في العراق والخليج ومصر وحوض البحر الأحمر ، وليس في الأفق ما ينبئ بنهاية لجلاء قريب لهذه القواعد.
أن بناء علاقات دولية متوازنة تحقق مصالح الأطراف المشاركة فيها تتطلب أولا امتلاك حرية اتخاذ القرار السياسي من دون ضغوط دولية مانعة، وفي حالتنا هذه في إطار مناقشة العلاقات العربية الاوربية من الصعب استبعاد مؤثرات القوى الكبرى الأخرى المتمثلة بالولايات المتحدة الأميركية وكوابحها وعلاقاتها التنافسية مع روسيا بخاصة تجاه منطقة تعد من أهم بؤر الصراع الدولي على المصالح والتي تمثلها المنطقة العربية بجدارة.
سوف تدرج قمة شرم الشيخ العربية الاوربية في صفحات النزهات الدبلوماسية الفاشلة كونها قمة العكاز المكسور وسوف تبقى شرم الشيخ مسرحا وعنوانا لمؤتمرات العبث مصمما للإيهام والتوهم.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It