ذاتُ يـومٍ

بقلم بنين السعدي شباط/فبراير 04, 2020 1000

 

بنين السعدي

كانَ هُـنـاكَ طِفـلٌ صغـيرٌ فَـقَـدَ والـدَهُ ، و هُـوَ لا يـزالُ رضـيعاً ،ولَمْ يَشَـأُ الـقَـدرُ أن تنـجـبَ والـدتُهُ غيرهُ ، فاعـتنـتْ بـهِ ، كأنَّــهُ جوهرتُـها الثَّمينةُ ،وكـانَ لديـها مزرعـةٌ صـغيـرةٌ تـجنـي مـنها لُقـمـةَ العيشِ؛ لِتربِّي الصَّـغيـرَ ،، كَـبُـرَ الطِّفلُ وهوَ يرى ما تفـعـل والـدتُـهُ لأجـلـه ، تعـلَّـق به ا لدرجةِ أنَّــهُ تـعـلَّـمَ أعـمالَ المـنزلِ في سنٍ مُبكّرٍ ، حيـنَ تعـود والـدتُـهُ من البسـتانِ يكـون هـوَ قد أتـمَّ أعمالَ المنزلِ والطَّبخ كي لا يُتعبها ...
كَـبُـرَ الطِّفــلُ وكـبرتْ معه والدتُهُـ الّـتي أفنـتْ عُـمـرَها في تربـيـةِ الطِّـفـلِ، وحـينَ أردى بـهـا الكُـبرُ لـمْ تَـعدْ تَقـوى على أعمالِ المنزلِ والمَزرعةِ ،ومن شِـدَّةِ حُــبٌّــهِ لأُمِّـهِ لمْ يُحضرْ لَها خادمـةً أو حتَّى كنّة ؛حتَّـى لا تـؤذيها فـي أوقاتِ غـيابهِ، بـلْ تـولَّـى هـوَ رعايـةَ الـمـزرعةِ والبـيتِ معاً.
بعـدَ مُـدَّةٍ أُصِيبتْ والـدتُـهُ بوعـكـةٍ صِحـيَّـةٍ، وبـالـرّغـمِ من أنَّـه وحـيـدٌ ولا يـفقـهُ في أمـورِ النِّـساء؛ إلّا أنَّـهُ سُـرعـانَ ما نَقَلها الى مشـفى العَـاصِـمةِ، بعدَ إجراءِ الفُحُوصاتِ لـهَا في المـشفى ؛أخبـروهُ الأطبَّـاءِ أنّـها تُعاني من سَـرطـانِ الرَّحم؛ ويجـب أن يجـروا لـها عملـيةً بسُـرعـةٍ وإلّا فإنّــهُ سـوفَ يفـقدُ والـدتَهُ،
عادَ مُـسـرعًا الى ديــارهِ ليـنظـرَ فـي أمـرهِ و ما الّــذي سيفعلهُ بعـدها ، قـرَّرَ أنهُ سـيبـيعُ أرضَـهُ؛ فـلا يُـوجد شـيءٌ أغـلـى مـن والــدتهِ، فغـابَ مُـدَّةٍ ليـستْ بطـويـلة عـن والــدتهِ ؛ لِيُـكمـلَ أُمُورَ البيعِ ،ثُــمَّ عاد مسرعاً لِيـجدَ مُمـرّضةً كأنَّهـا مـلاكٌ تعتني بوالدتهِ
ولكثرةٍ ما لديــهِ من همومٍ وأحزانٍ إلاّ أنَّ وجـهَهَا الـبريء ،وابتـسامتَهـا الهَـادئة أنسـتهُ كُــلَّ شـيءٍ
وهُـنا بـدأَ قِـصَّةً جـديدةً فـي حياتهِ ؛قِـصَّـةً تمنَّى لو أنَّـهُ يَعيشها في غيرِ هذهِ الظُّروف
سُـرعانَ ما أعــطى المـالَ للأطِبــَّاء؛ لكـي يُجـروا لهـا العـمليةَ، وكـانَ شُغـلـهُ الشَّـاغلُ أن يـتقرَّبَ من هذه المُمـرّضة، واستغلَّ وجودَ والدتَـهُ في المَشفى ، وبعدَ بُرهةٍ من الزَّمنِ؛ كتبوا الخُروجَ لوالدتهِ، وكانَ إحساساً مُختلطاً لديه فرحٌ بخروجِ والدتهِ بعد إجراء العَمليَّة لها وحزينٌ بأنَّـهُ سَيبتعِدُ عن المُمرّضةِ؛ لكنَّ الذي سكنَ في بالهِ : عودتُهُ من هُنيئةٍ لأُخرى لمراجعةِ والدتهِ
وجَد فُرصةَ عَملٍ لهُ بالعَاصِمةِ؛ اِستطاعَ أن يَستأجرَ بِها بيتاً لهُ ولوالدتهِ ومن حينٍ لآخرَ يتحجَّجُ بزيارةِ المُستشفى ؛لكي يرَى المُمرّضةَ، لم يَحتملْ قلبُـهُ الصُّمودَ لأكثرَ ؛ لكنَّـهُ كانَ خائِفاً من جوابِهَا وبعدَ التَّـفكيرِ ؛ قرَّرَ وأخيراً أن يُصارحَها بِحُبهِ لها وأن يُشارِكَها حيَاتَهُ البسيطةَ بعرضهِ الزَّواجَ منها.
اِستجمعَ قِواهُ وذهبَ لمحادثتها
الشَّابُّ : أشكُرُكِ على ما صنعتِ في غِيابي معَ والدتي؛ فلقد كنتُ قَـلِقـــاً جدًا عليها ، توقعت بأنّها سَتكونُ وحيدةً
المُمرّضةُ :لا شُكرَ على واجبٍ، فقد كنتُ أؤدِّي عملي.
الشَّابُّ : نعم، ولكنَّكِ أعتنيتِ بِها كأنَّـهـا واحدةٌ من عائِلتِكِ
المُمرّضةُ : أجل، استلطفتُها كانتْ محبوبةً ولطيفةً جدًا معي.
الشَّابُّ : شكراً لكِ مرةً أُخرى ،وأتمنَّى أن نلتقيَ مرةً أخرى.
المُمرضةُ : على الرَّحبِ والسِّعةِ، نهارُكَ سعيدٌ.
الشَّابُّ: نهارُكِ سعيدٌ.
وانتهى الحَديثُ القصيرُ بينهما؛ تمنّى لو أنَّ خطوطَ الزَّمنِ توقفتْ عندَها ،
ثُــمَّ عادَ بخطواتٍ خَجِلةٍ، خُطوةٌ تليها خُطوة.
وتَمضي الأيَّـامُ ولا يزالُ ذِهنُــهُ عالـقـاً في تلكَ الفتاة؛ لا سيَّما أنَّــهُ لا يستطيعُ أن يذهبَ لزيارتها مباشرةً بعد تحسُّنِ وضعِ والدته ؛ اِرتأتْ إلى بالهِ فكرةٌ أُخرى وهي : أن يقومَ بأيذاءِ نفسهِ؛ ليذهبَ لِلعلاجِ عندها وبعدها يستجمعُ قواهُ ويقوم بِمُصارحتِها بحبهِ لها،
وفعلاً هذا ماحدث، لمْ يكنِ الأمرُ سَهلاً عليهِ؛ لكنْ لا بُـدَّ من أن يُصارحها بمشاعرهِ؛ فقد كتَمَها لمدةٍ طويلةٍ وخافَ من أن يأتي شَابٌّ آخرُ ويـسـرقُـهَـا منهُ
، تعمدَ جرحَ نفسهِ كي يذهب لزيارتها في المَشفى، وحين وصولهِ ذهبَ إلى الطَّوارِئ وقد طَلبها من بين المُمرّضاتِ كي تداويه..
حـينَ نـظَـرَ لها تشتَّتَ ذِهـنُـهُ كثيرًا؛ فأرادَ أن يُصارحها لكنَّه تلعثمَ بالكلامِ ، واستجمعَ قواهُ وحدَّثـهـا قائلاً :
مُذْ أن رأيـتُـكِ أوَّلَ يومٍ؛ وقعتُ في غرامِكِ، وأردتُّ التَّـأكُّــدَ من مشاعري طوالَ هذهِ المُدَّة، وحينَ لم أستطعْ نسيانَكَ، تأكَّدتُّ من حُبِّي لكِ و هَا أنا أعرضُ عليكِ الزواجَ فأنْ قَبِلتي ستكونينَ زوجتي وحبيبتي وإن لم تقبلي ستكونينَ معشوقتي التي لمْ أستطعْ الفوزَ بقلبِها..
تلعثمتِ المُـمرّضةُ؛ لكنَّ كلامَه أثَّـرَ فيها كثيرًا ؛ لا سيَّما وهي تكنُّ لهً مشاعرَ الإعجابِ ، لم تستطعِ الرفضَ.
أينَ تجدُ شابًا يُحبُّها بقدرهِ...أتمنَّـى للجميعِ نهايةً سعيدةً ؛كتلك النِّهاية..

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه