صُنع في الصين

بقلم مرح البقاعي نيسان/أبريل 11, 2020 718

 

صُنع في الصين
مرح البقاعي
مركز البحوث البريطاني هنري جاكسون سوسايتي يكشف عن إمكانية ملاحقة الصين قانونيا ضمن أحكام القانون الدولي وتغريمها مبالغ ضخمة لتعتيمها على انتشار هذا الوباء.
زعامة ما بعد كورونا تحت المجهر الصيني
بحضور مصوّر تلفزيوني واحد يرتدي ملابس العزل الصحية ومعه كاميرا تمّ تعقيمها بشكل كامل قبل أن يُدخلها إلى المكتب الملكي، ظهرت الملكة إليزابيث من مقرّ إقامتها، في خطاب تلفزيوني نادر، متوجهة إلى شعبها الذي يعاني من جائحة فايروس كورونا ويخسر كل يوم العشرات من أفراده. تحدّثت الملكة إليزابيث بصوت هادئ شجِن عن التحدّي الذي تواجهه بريطانيا والعالم بسبب جائحة كوفيد- 19 إثر أسبوع قاس أصيب فيه ابنها ولي العهد الأمير تشارلز ورئيس الوزراء بوريس جونسون بالفايروس. وقالت “لهؤلاء الذين سيأتون من بعدنا، أرجو أن يقولوا إن أبناء هذا الجيل البريطاني كانوا أقوياء بقدر الأجيال التي سبقتهم، وإن سمات الانضباط والتواضع والشعور بالآخرين ومراعاتهم لا تزال من سمات هذه البلاد”.
أما سياسيا، فقد قام عدد من النواب المحافظين في مجلس العموم البريطاني بالإعلان عن موقفهم الغاضب والمستنكر للطريقة التي تصرّفت بها الصين ولسوء أدائها على مستوى الدولة ومسؤولياتها، سواء في تعتيمها على ظهور مرض كوفيد- 19 الناتج عن انتشار فايروس كورونا في مدينة ووهان عاصمة مقاطعة هوبي، أو التقليل من خطر الإصابة به وسرعة انتقال العدوى.
وصل الأمر بالسلطات في الصين إلى اضطهاد الطبيب، لي وينليانغ، الذي كان أول من تحدّث عن انتشار مرض خطير في ووهان. وحذّر زملاءه في المستشفى الذي كان يستقبل فيه مرضاه من خطورة الأمر، فما كان من السلطات إلا أن اعتقلته وأحالته إلى التحقيق الجرمي بتهمة نشر أخبار كاذبة. وللأسف الشديد أصيب الطبيب بعدوى الفايروس من إحدى مريضاته وتوفي متأثرا بكوفيد- 19.
السلطات الصينية، وبعد أن تفشى الفايروس عالميا وقتل من قتل، قدّمت اعتذارا رسميا لعائلة الطبيب. وأعلن المجلس التأديبي للحزب الشيوعي الصيني أنه تمّ سحب بيان التوبيخ والاعتقال ضده، موازاة مع إقرار عقوبات تأديبية على ضابطي الشرطة اللذين حققا معه. كما قرّرت هيئة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي بمدينة ووهان منح عائلة الطبيب وينليانغ تعويضا ماليا قدره 820 ألف يوان صيني ما يعادل 117 ألف دولار أميركي.
إثر موقف المحافظين البريطانيين، وما رافقه من غضب البريطانيين من فقدانهم أحبتهم ووظائفهم واستقرارهم النفسي والمعيشي، ناهيك عن إصابة ولي عهدهم ورئيس وزرائهم بالفايروس، تقدّم مركز البحوث البريطاني “هنري جاكسون سوسايتي” بتقرير بحثي يكشف عن إمكانية ملاحقة الصين قانونيا ضمن أحكام القانون الدولي، وتغريمها بمبالغ ضخمة لتعتيمها على انتشار هذا الوباء القاتل.
وحدّد التقرير خسائر بريطانيا التي يجب أن تتحمّلها الصين بما يقارب مبلغ 6.5 تريليون دولار لحقت بالدخل القومي نتيجة لتوقف عجلة الاقتصاد وعزل المواطنين في بيوتهم.
ومن المفترض أن منظمة الصحة العالمية، وإثر تفشي وباء سارس في العام 2003، قد قامت بتحديث لوائحها الصحية بشكل غدت أكثر حزما ومتابعة للدول والحكومات لتحديد مسؤولياتها وواجباتها بالكشف عن الأوبئة في مجتمعاتها حال العلم بها، واتخاذ كل السبل الممكنة تفاديا لانتشارها محليا أو خارج حدودها ومنعها من التحوّل إلى جائحة عالمية.
بناء عليه يخلص تقرير هنري جاكسون سوسايتي إلى أن الصين لو قامت بواجبها وأبلغت منظمة الصحة العالمية حال ظهور الفايروس في نهايات العام 2019 لم يكن كوفيد-19 ليتحول إلى جائحة مرعبة.
وعلى العكس من اللوائح الصحية الدولية التي تحضّ الحكومات على مراقبة وتبادل البيانات المتعلقة بانتشار مسبّبات الأمراض التي يمكن أن تنتقل دوليا، وفي مشهد هو الأسوأ في أداء الدول، قلّلت السلطة الحاكمة في الصين من أهمية البيانات، بل وعاقبت الأطباء الذين سعوا للتحذير من الواقع المرضي في ووهان، بما يُصنّف خرقا للبروتوكولات الدولية.
وفي حين تُوفّر منظمة الصحة العالمية السبل القانونية اللازمة لمقاضاة الصين بموجب اللوائح الصحية الدولية، إلا أن الخيارات القضائية للدول المتضرّرة يمكن أن تمتد إلى مقاضاة الصين في محكمة العدل الدولية ومحكمة التحكيم الدائمة ومنظمة التجارة العالمية ومعاهدات الاستثمار الثنائية وحتى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وأفاد التقرير أن المحاكم المحلية والمحاكم الصينية يمكن أن تكون مكانا للدعاوى القضائية أيضا.
أما في الولايات المتحدة فلا زيادة لمستزيد على حالة العداء الصامت والرابض خلف السواتر الهشة بين العاصمتين؛ واشنطن وبكين، وجاء فايروس كورونا ليضرب الزيت على نار تستعر منذ فترة ليست بالقصيرة بين البلدين المتنافسين على زعامة العالم.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب كان قد ردّد صفة “الفايروس الصيني” منذ اندلاع أزمة الجائحة، وذلك لقناعة تولّدت لديه بناء على المعلومات الإحصائية والاستخباراتية التي وردت إليه، وأن الصين إن لم تكن قد صنّعت هذا الفايروس فهي مؤكدا المسؤولة عن انتشاره لسوء إدارتها الأزمة في حينها.
أما رد الفعل الرسمي الصيني الذي أغضبه بشدة ربط فايروس كورونا باسم الصين كما فعل ترامب وتبعه وزير خارجيته مايك بومبيو الذي أطلق على كورونا اسم “فايروس ووهان”، فقد رد بإطلاق شائعات، انتشرت عبر منصات التواصل الاجتماعي في الصين بسرعة انتشار الفايروس نفسه، مفادها “أن برنامجا أميركيا عسكريا للحرب البيولوجية هو المسؤول عن جائحة كورونا”، رغم أن العلماء أكدوا أن بنية الفايروس طبيعية وليست مصنّعة.
وإذا سلّمنا لواقع تتقدّم فيه الصين كأكبر منتج ومصدّر للمعدات الطبية والمواد ذات الاستخدام الواحد مثل الكمامات والبدلات الواقية وهي مواد ضرورية للعناية بالمصابين الذين بلغت أعدادهم مستويات خيالية، وأن العلاقات بين الصين والولايات المتحدة متوتّرة بشكل متصاعد إثر فشل اتفاق تجاري جزئي في حل الخلافات التجارية بين البلدين، وأن الصين بحاجة إلى مغنم اقتصادي لتتقدّم على منافستها الولايات المتحدة في إدارة الأزمة العالمية ضمن هذا الظرف المستعصي على معظم الدول المصابة بما فيها الولايات المتحدة؛ يبدو أن السلطة الحاكمة في الصين تستغل الكارثة العالمية للتقدّم بسرعة في محاولتها التربّع على عرش زعامة العالم في ما بعد كورونا، وتغتنم الحاجة الماسة إلى بضائعها ودعمها الطبّي واللوجيستي بعد أن فشلت الدول حيث حلّ بلاء كورونا في إدارة الأزمة وإحكام السيطرة بمفردها.
فصل المقال يكمن في حتمية أن تُرفِق الدول المنكوبة مساعيها للسيطرة على انتشار “فايروس ووهان” بتحميل المسؤولية للجهة التي ساهمت في انتشاره وما سبّبت من تعطيل ودمار في بنية الأمن البشري الاجتماعي والاقتصادي والسياسي العالمي؛ هذا في حين تحاول دولة منشأ الفايروس الصين إشباع نهمها لإحكام السيطرة على العالم من خلال احتكار المواد والمعلومات الطبية المطلوبة، بهدف تقويض دعائم المجتمعات الغربية وإفشال سياساتها الليبرالية، تلك التي ما فتئت تقضّ مضجع أحفاد الرئيس ماو وتهزّ رميم أيديولوجيته اللينينية في مثواها الأخير.
كاتبة سورية أميركية

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه