ardanlendeelitkufaruessvtr

مليكنا.. مليكنا نفديك بالأرواح

بقلم عبدالهادي الحميري تموز/يوليو 18, 2020 279

 

مليكنا.. مليكنا نفديك بالأرواح
عبدالهادي الحميري
مرت‭ ‬علينا‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬المنصرم‭ ‬ذكرى‭ ‬انقلاب‭ ‬/‭ ‬ثورة‭ ‬14‭ ‬تموز‭ ‬1958‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أننا‭ ‬جميعاً‭ ‬قرأنا‭ ‬الكثير‭ ‬عن‭ ‬العصر‭ ‬الملكي‭ ‬وما‭ ‬فيه‭ ‬وما‭ ‬تبعه‭ ‬من‭ ‬مآثر‭ ‬ومثالب‭.‬
للأسف‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬ممن‭ ‬كتبوا‭ ‬حول‭ ‬الموضوع‭ ‬لم‭ ‬يخلوا‭ ‬طرحهم‭ ‬من‭ ‬طائفية‭ ‬أو‭ ‬حزبية‭ ‬إستمكنت‭ ‬في‭ ‬النفوس‭. ‬أضحكتني‭ ‬مقالة‭ ‬أحدهم‭ ‬عندما‭ ‬هاجم‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد‭ ‬الذين‭ ‬كما‭ ‬يبدو‭ ‬أثاروا‭ ‬غضبه‭ ‬لامتداحهم‭ ‬أيام‭ ‬المملكة،‭ ‬كيف‭ ‬تقولون‭ ‬ذلك‭ ‬وأنتم‭ ‬زعاطيط‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭. ‬ولما‭ ‬كنت‭ ‬ممن‭ ‬عاش‭ ‬سنواته‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الزمان‭ ‬ولم‭ ‬ينقرض‭ ‬بمشيئة‭ ‬الله‭ ‬وددت‭ ‬أن‭ ‬أعيش‭ ‬معكم‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬كما‭ ‬كانت‭.‬
يومي‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬المدرسة:
كانت‭ ‬مدرسة‭ ‬الفيحاء‭ ‬الابتدائية‭ ‬للبنين‭ ‬المدرسة‭ ‬الوحيدة‭ ‬في‭ ‬الصوب‭ ‬الصغير‭ ‬(الجانب‭ ‬الصغير)‭ ‬من‭ ‬الحلة‭ ‬وكانت‭ ‬تقع‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬المحاذي‭ ‬لشط‭ ‬الحلة‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬محلة‭ ‬كريطعة‭ ‬ونهاية‭ ‬محلة‭ ‬الكلج‭.‬
قبالة‭ ‬ركن‭ ‬المدرسة‭ ‬على‭ ‬الشط‭ ‬كانت‭ ‬هناك‭ ‬شجرة‭ ‬يوكاليبتوس‭ ‬ضخمة‭ ‬يستفيء‭ ‬بها‭ ‬السيد‭ ‬جواد‭ ‬وقاربه‭ ‬الصغير‭ ‬(بلمه)‭ ‬بدشداشته‭ ‬البيضاء‭ ‬وعرقجينه‭ ‬(طاقيته)‭ ‬المخرم‭ ‬الأبيض‭ ‬بإنتظار‭ ‬نقل‭ ‬المعلمين‭ ‬الساكنين‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬النهر‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الدوام‭ ‬والتلاميذ‭ ‬المحالين‭ ‬الى‭ ‬المستوصف‭ ‬الصحي‭ ‬يوميا‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭. ‬كانت‭ ‬الأجرة‭ ‬عنه‭ ‬(تلفظ‭ ‬عانة)‭ ‬وتعادل‭ ‬أربعة‭ ‬فلوس‭. ‬وكانت‭ ‬النوارس‭ ‬البيضاء‭ ‬لا‭ ‬تبرح‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬تطلق‭ ‬أصواتها‭ ‬وأجنحتها‭ ‬فوق‭ ‬أمواج‭ ‬الماء‭ ‬وأجواء‭ ‬المدينة‭.‬
بدأ‭ ‬الدوام‭ ‬بالاصطفاف‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬أيلول‭ ‬عام‭ ‬1951‭ ‬بخطين‭ ‬متوازيين‭ ‬داخل‭ ‬أضلاع‭ ‬الساحة‭ ‬الداخلية‭ ‬الفسيحة‭ ‬للمدرسة‭.‬
‭ ‬بإشارة‭ ‬من‭ ‬المعاون،‭ ‬صدحت‭ ‬الحناجر:
مليكنا‭.. ‬مليكنا‭ ‬نفديك‭ ‬بالأرواح‭ ….. ‬عش‭ ‬سالما‭ ‬عش‭ ‬غانما‭ ‬يا‭ ‬فيصل‭ …… ‬بوجهك‭ ‬الوضاح‭ …‬
وقفت‭ ‬مع‭ ‬الصف‭ ‬الأول‭ ‬بينما‭ ‬وقف‭ ‬أخي‭ ‬الأكبر‭ ‬مع‭ ‬الصف‭ ‬الثاني‭. ‬كان‭ ‬أبي‭ ‬قد‭ ‬إئتمن‭ ‬أخي‭ ‬على‭ ‬حصتي‭ ‬من‭ ‬الخرجية‭.‬
وبعد‭ ‬أن‭ ‬انتهى‭ ‬النشيد‭ ‬ورحب‭ ‬المدير‭ ‬بالطلاب‭ ‬نزل‭ ‬في‭ ‬الربع‭ ‬البعيد‭ ‬عني‭ ‬من‭ ‬الساحة‭ ‬طالبان‭ ‬يبيعان‭ ‬طوابع‭ ‬تبرعات‭ ‬لفلسطين‭.‬
خطر‭ ‬ببالي‭ ‬أن‭ ‬أتبرع‭ ‬ولكن‭ ‬الفلوس‭ ‬كانت‭ ‬مع‭ ‬أخي،‭ ‬تركت‭ ‬الإصطفاف‭ ‬ومشيت‭ ‬الهوينا‭ ‬حتى‭ ‬منتصف‭ ‬الساحة‭ ‬تقريبا‭ ‬ولما‭ ‬لم‭ ‬يخرج‭ ‬الي‭ ‬أخي‭ ‬الذي‭ ‬بقي‭ ‬متسمرا‭ ‬في‭ ‬مكانه‭.. ‬صرخت‭ ‬عليه‭ ‬بأعلى‭ ‬صوتي:‭ ‬تعال‭ ‬نشتري‭ ‬من‭ ‬هذا‭.‬
كسرت‭ ‬الصرخة‭ ‬صمت‭ ‬الصفوف‭ ‬وأدهشت‭ ‬المعلمين‭ ‬المشرفين‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬فهرع‭ ‬الي‭ ‬أحدهم‭ ‬وكان‭ ‬ضخم‭ ‬البنية‭ ‬متوسط‭ ‬العمر‭ ‬مدور‭ ‬الوجه‭ ‬غائر‭ ‬العينين‭ ‬وأصلع‭ ‬بعض‭ ‬الشيء‭ ‬كما‭ ‬أتذكر‭ ‬ومسك‭ ‬بأذني‭ ‬بقوة‭ ‬وأرجعني‭ ‬الى‭ ‬مكاني‭ ‬مكررا‭ ‬علي‭ ‬في‭ ‬الطريق‭ ‬إليه‭ ‬بصوت‭ ‬خافت‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬قرصة‭ ‬إذن:‭ ‬بابة‭ ‬هذي‭ ‬مدرسة‭ ‬هذا‭ ‬مو‭ ‬عكد‭ ‬(زقاق)‭.‬
في‭ ‬صبيحة14‭ ‬تموز‭ ‬1958‭ ‬كانت‭ ‬أصوات‭ ‬الدبكات‭ ‬والهوسات‭ ‬تشق‭ ‬عنان‭ ‬السماء‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬الحلة‭ ‬عند‭ ‬المتصرفية‭ ‬خرجت‭ ‬الى‭ ‬الشارع‭ ‬لأستفسر،‭ ‬مر‭ ‬شباب‭ ‬وصبية‭ ‬يتراكضون‭ ‬نحو‭ ‬مركز‭ ‬المدينة‭ ‬سألتهم‭ ‬ما‭ ‬ذا‭ ‬جرى‭ ‬قالوا:‭ ‬ثورة،‭ ‬ثورة‭ ‬قتلوا‭ ‬نوري‭ ‬سعيد،‭ ‬قتلوا‭ ‬عبد‭ ‬الإله‭ ‬قتلوا‭ ‬الملك‭. ‬دخلت‭ ‬الدار‭ ‬مسرعاً‭ ‬لأبدل‭ ‬دشداشتي‭ ‬والحق‭ ‬بالكرنفال‭ ‬سألتني‭ ‬الوالدة‭ ‬ماذا‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬الأصوات‭ ‬وإلى‭ ‬أين‭ ‬أنت‭ ‬ذاهب،‭ ‬كررت‭ ‬عليها‭ ‬منتشياً‭ ‬كباقي‭ ‬الصبية‭ ‬ما‭ ‬سمعته،
جرت‭ ‬حسرة‭ ‬طويلة‭ ‬وقالت:‭ ‬قتلتم‭ ‬فيصل؟‭ ‬والله‭ ‬ستبكونه‭ ‬ما‭ ‬عشتم‭ ‬كما‭ ‬بكينا‭ ‬الحسين‭.‬

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It