ardanlendeelitkufaruessvtr

من هنا تكون البداية

بقلم طالب سعدون آب/أغسطس 06, 2020 191

 

من هنا تكون البداية
طالب سعدون
تلقيت ردودا تضمنت آراء وتعليقات على مقالي (أقصر الطرق لاسترجاع ما سُرق ) – ربما كانت أكثر من أي مقال أخر- نشر بتاريخ 23 تموز الماضي عن خطوة اسعد باشا العظم والي دمشق ايام العثمانيين الجريئة والفريدة في معالجة الوضع المالي ، بعد أن نخر الفساد بالولاية وواجه ثورة الخبز لارتفاع سعره ، دون أن يلجأ الى الضرائب والرواتب والتأثير على مستوى الخدمات في الولاية ..
لم يأخذ برأي مستشاريه بفرض ضريبة على المسيحيين وتجار النسيج في دمشق ، حيث لم تكن لهم قدرة على دفعها الا ببيع حلي وذهب نسائهم ، بل ذهب الى أس البلاء ، باسترجاع ما نهب من الفاسدين بعد ان استدعاهم سرا ، ليلا ، واحدا واحدا ، وجمع منهم مالاً كثيرا يفوق ما اقترحته حاشيته بكثير ، غطى به الضائقة المالية ، وزاد منه الكثير أيضا دون أن يلحق اذى بالمواطن أو يؤثر عليه في شيء..
وبذلك ضرب عصفورين بحجر واحد ..
** وفي أحد تلك الردود وردت إشارة الى الخليفة عمر إبن عبد العزيز جعلتني أتعقبها في المصادر وأراجع سيرته ، لكي أجد جوابا لسؤال هو .. لماذا استطاع عمر إبن عبد العزيز أن يحقق تلك السمعة الطيبة والانجازات الكبيرة رغم قصر مدة حكمه التي استمرت أكثر من سنتين بينما فشل أخرون استمر حكمهم سنوات كثيرة…؟
يمكن أن نهتدي منه الى جواب لسؤال أخر وهو .. هل يمكن للحاكم أن يتجاوز أخطاء يرثها من اسلافه اذا ما وجدت ويعالج اثارحكمهم السلبية التي قد تصل عند البعض الى الكارثية ، ويحقق طفرة في إسلوب الادارة والحكم تنعكس على حال البلاد والعباد والتطور نحو الافضل ؟.. واذا ما كان ممكنا .. كيف ..؟
الجواب يمكن أن نستخلصه من تجربة حكم عمر ابن عبد العزيز ومنهجه برد المظالم من الاقربين .. فكان يرى أنه كما أن الاقارب أولى بالمعروف كذلك هم أولى بالاصلاح والبدء بالنفس اولا …
ومن هنا كانت البداية في الاصلاح ..
كان يرى – وهذا ما سار عليه – أن مواريث الظلم ليس لها أي شرعية حتى وإن طال الزمن بها..
إمتاز حكم عمر إبن عبد العزيز بميزة تعد روح الاسلام في نظر العلماء بما في ذلك من يختلف معه في أمور اخرى ، وهي العدل ومخافة الله والزهد ورد المظالم ممن ارتكبها من اسلافه جعلت كثير من العلماء يعدونه الخليفة الراشدي الخامس ومجددا في إسلوب الحكم ، لانه لم يسر على سيرة من سبقه من الخلفاء من بني امية في الابهة والفخفخة مثلا ، بل ذهب أبعد من ذلك عندما اقدم على اجراء يتسم بالعدل والشجاعة معا ، جعله يستحق ذلك الوصف بجدارة ، فقد إسترجع كل ما أخذ بغير وجه حق ، وبدأ بنفسه وأهله ثم بني أمية عموما ، فأعاد الاراضي التي وهبت له ولزوجته وأولاده من بيت مال المسلمين ثم طلب من بني امية إرجاع ما أخذوه من بيت مال المسلمين بدون وجه حق فلم يبقي لهم غير حقهم الطبيعي دون أن يلتفت الى اعتراض ، أو معارضة من لم يقبل بهذا العمل ، من أعمامه واقربائه وعماله .
كان الحكم عند عمر ابن عبد العزيز نقطة تحول كبيرة وانتقالة أكبر في مسيرة حياته من الترف والنعيم – وهو سليل امراء وملوك – الى الزهد والتقشف ، بينما تختلف الحالة عند حاكم أخر يعد السلطة مرحلة انتقالية كبيرة في حياته الخاصة بسعيه للحصول على المال واستغلال النفوذ والسلطة لاغراض شخصية وعائلية ..
كان يمكن أن يضعف عمر إبن عبد العزيز أمام بريق السلطة و المال كما ضعف أخرون ، وتحت يديه خزائن الارض دون رقيب ويأخذ منها ما يشاء أو يعتبرها ملكا له ولمن يتصل به بالنسب والقرابة والحكم ، لكن الخوف من الله عصمه من الوقوع في الخطأ وارتكاب المعصية ..
لم يكن الحكم عنده غنيمة وفرصة للاستحواذ على كل شيء ، أو يمد يده بحرام الى الخزينة ، بل عده حملا ثقيلا ومسؤولية كبيرة امام الله ورسوله ، وهذا ما ينبغي ان يكون الحاكم عليه ، فقد وجدته زوجته مرة يبكي على مصلاه إشفاقا على نفسه من المساءلة والحساب يوم الحساب .. فهو يرى أنه مسؤول عن كل أرملة ويتيم وشيخ كبير ومحتاج ومريض لا يجد الرعاية في حكمه في أي مكان في حدود مسؤوليته الجغرافية ..
رغم قصر مدة حكم عمر إبن عبد العزيز – سنتان وخمسة اشهر وأربعة أيام – لكنه كان رمزا في العدل والمساوة ورد المظالم واصلاح ما وجده غير صالح ويخالف الشريعة والقانون وبدأ من قمة الهرم ..
بدأ من نفسه ، وأهله ، والبيت الاموي..
ذلك درس لمن يريد الاصلاح .
وتلك هي البداية الصحيحة ..
ولذلك انتهت ولايته القصيرة وبقيت سريته وتاريخه حيا يحكي قصة حكم لم تجد فيه مستحقا للزكاة ..
أي باختصار .. أن نسبة من كانوا في عهده على خط الفقر صفرا ..
ولن يتحقق ذلك الا بالعدل .. فالمسؤول – وفي المقدمة الحاكم وكل صاحب قرار ينبغي أن يعرف حقه ، فلا يأخذ أكثر من استحقاقه ..
والعدل ليس أساس الملك فقط بل وحصن الامن أيضا .. ولذلك كتب عمر ابن عبد العزيز لاحد عماله في احد الاقاليم بعد أن خاطبه يطلب مالا، لكي يحصن مدينته التي تشكو حالة الخراب .. (فهمت كتابك، فاذا قرأت كتابي.. حصن مدينتك بالعدل ونق طرقها من الظلم فانه حرمتها … والسلام)..
درس مهم في فن الادارة والقيادة والحكم عموما .. يصلح لكل زمان ومكان ..
كلام مفيد :
الحاكم كالنهر العظيم تستمد منه الانهار الصغيرة فان كان عذبا عذبت وإن كان مالحا ملحت .. (افلاطون)

 

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It