مساءلة النفس علاجاً للمعاندة

بقلم فؤاد مطر كانون1/ديسمبر 11, 2020 401

فؤاد مطر

الآن بات لا بد من وقفة مساءلة للنفس من جانب رئيس الحكومة الأثيوبية أبيي أحمد وذلك بعدما قطع ثلاثة أرباع المسافة من المواجهة التي خاضها ضد الخارجين على سلطانه في منطقة “تيغراي” الذي هو منها، باسطاً شرعية لم تكتمل على المنطقة التي تتطلع “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” إلى صيغة لهذه المنطقة قريبة الشبه من الذي إنتهى إليه شمال العراق حُكْماً ذاتياً للأكراد كاد يصل بفعل الإستفتاء الذي غامر بإجرائه مسعود بارزاني إلى إعلان قيام دولة مستقلة تجمع في أضلعها أكراد سوريا وتركيا وإيران وأولئك المنتشرون في عدد من بلاد العالم، إقتباساً لما إنتهى إليه السعي الصهيوني بعد الإستيلاء بالتواطؤ الدولي على فلسطين من أجْل قيام دولة إسرائيل. لا سامح الله هؤلاء المتواطئين على فِعلهم.

والقول إنه بعد العمليات العسكرية التي شنها الجيش الأثيوبي وصمود مقاتلي “الجبهة الشعبية” وتسبُّب المواجهة بلجوء بضعة ألوف من سكان المنطقة إلى البلدات السودانية المجاورة، بات لا بد من وقفة مساءلة للنفس، وذلك لأن الإخضاع حتى إذا إكتمل وهو على نحو ما قاله رئيس المنطقة المنشقة جبربمايكل “لا يدرك أبيي أحمد من نحن. إننا شعب له مبادئه ومستعد للموت دفاعاً عن حقنا في إدارة منطقتنا” لن يكتمل بعملية عسكرية أو أكثر. وهذه الأمثولة السودانية حاضرة لكي يتأمل فيها أبيي أحمد حامل جائزة نوبل للسلام، حيث أن أزمة الجنوب لم تُحسم عسكرياً وبقيت في حالة إشتعال ثلث قرن وتعاقب على معالجتها عسكرياً أربعة عهود كان أحدها عهداً مدنياً فيما الثلاثة كانت عهود الجنرالات إبراهيم عبود، جعفر نميري، عمر البشير. ثم إنتهى الحسم إعترافاً بإنفصال الجنوب عن الكيان المترامي الأطراف وقيام “دولة جنوب السودان” وحتى الحركات الخارجة عن سلطة الدولة لم ترم السلاح وإستمرت تشكل حالة إستنزاف مالي وعسكري للدولة، إلا بعدما قام العهد الجديد بجناحيْه العسكري والمدني وإعتمد أسلوباً في معالجة حالة التمرد والإنفصال العالقة من خلال مساءلة النفس وإعتماد الحكمة والحنكة والمرونة في أعلى درجاتها والأخذ بمبدأ أن إمتلاك السلطة مهم لكن الأهم هو عدم إستعمالها بمنأى عن التبصر وإعتماد المنطق ومراعاة ظروف جميع أطراف أزمة تنشأ وكانت إجتماعات جوبا لتصفية نقاط الخلاف فإستبدال السلاح بالحوار فالإنصهار في الدولة خاتمة المطاف. وبعد ذلك إلغاء الأحكام الصادرة في حق كثيرين فإعطاء كل طيف سبق أن تمرد وخاض مواجهة مع الدولة حقه وإحترام مكانته. ثم يتبين أن صيغة مساءلة النفس على أمل إعادة النظر هي علاج للأزمات مهما إشتدت حدتها.

تأمل متابع

وهذا ما يأمل المتابع مثل حالنا للأزمة المصرية- الإثيوبية، أخْذ الرئيس الأثيوبي بهذه الصيغة، أي بما معناه لا يستمر على إعتبار “سد النهضة” مسألة ذات أولوية لدولة أثيوبيا ما دام نهر النيل ينبع بنسبة ثمانين في المئة من أرضها وهذا يعطيها الحق في أن تستفيد بالنسبة نفسها منه ويُترك الباقي لكل من السودان ومصر، وأن تجعل من “سد النهضة” مصدر ثراء مالي وكهربائي وزراعي وتنتقل أثيوبيا نتيجة ذلك إلى دولة ذات شأن كبير في محيطها الأفريقي. أما أن يتأذى السودان ويتسبب إنخفاض منسوب حصة مصر التي هي دولة المصب بكارثة بيئية وزراعية على المدى البعيد فهنا شأنهما، وتلك نظرة غير حكيمة للأمور خصوصاً أن مصر الآن باتت مئة مليون وفي الطريق إلى المزيد. وهذا يعني أن ما جرى الاتفاق في شأنه قبل نصف قرن عندما كانت مصر خُمس ما هي عليه الآن، لا يمكن الأخذ به.

في زمن الرئيس حسني مبارك بدأ الحديث عما يمكن أن يتسبب به إنشاء “سد النهضة” الذي كان تم التحضير لإنشائه. وكانت هنالك ملاحظات لم تصل إلى درجة التحذيرات ما دام بناء السد لم يبدأ بعد. وفي زمن الرئيس محمد مرسي تزايدت الخشية من السد الذي قطع الأثيوبيون مرحلة متقدمة في إنشائه فأطلق عبارة تنبيه مما قد يحدث وهي “أنا كرئيس جمهورية أؤكد أن كل الخيارات مطروحة على الطاولة. إن مصر هي هبة النيل والنيل هبة مصر”. وردت الخارجية الأثيوبية على كلامه هذا بالقول “إن أثيوبيا لا ترعبها الحرب النفسية وهي لن تعلِّق لثانية واحدة بناء السد”.

ثم يبدأ عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي الذي يرى المسألة في غاية الخطورة، ويعلن يوم الخميس 24 أكتوبر/ تشرين الأول 2019 أمام رئيس الحكومة الأثيوبية أبيي أحمد خلال لقائهما في مدينة سوتشي الروسية على هامش القمة الأفريقية الروسية “إن إقامة السد الأثيوبي، يجب أن يتم في إطار متوازن بين مصالح دول المنبع والمصب ويجب ألاَّ يكون مصدراً لأي مشاكل أو تناحر” ثم يختم الرئيس السيسي كلامه بعبارة “إن مصر بقدْر تفهمها للمصالح التنموية لدولة أثيوبيا إلاَّ أنها في الوقت نفسه تتمسك بحقوقها التاريخية في مياه النيل…”.

بقي الحذر على حاله بين مصر السيسي وأثيوبيا أبيي أحمد رغم الود الذي ساد اللقاء إضافة إلى سعي من جانب الرئيس بوتين لتضييق مساحة التباعد بين رئيسيْن يتطلع الرئيس بوتين إلى كسْب نقلة نوعية من العلاقة معهما وبحيث يصبح لروسيا حضور في القارة الأفريقية كذلك الحضور الذي لها في سوريا، فضلاً عن موطىء القدم المستجد في السودان من خلال قاعدة بحرية على شواطئ بور سودان قابلة للتطوير بحيث تصبح مثل تلك القاعدة في طرطوس. وهذا الاهتمام من جانب الرئيس بوتين حدث على خلفية إهتمام شخصي من جانب الرئيس دونالد ترمب بالأزمة الفاترة بأطرافها الثلاثة مصر والسودان وأثيوبيا منذ إستقباله المتميز في البيت الأبيض للرئيس السيسي يوم 3 نيسان 2017 وهو اجتماع أسس في جزئية منه للإهتمام اللافت من جانب ترمب بالأزمة المتعلقة ?سد النهضة” بدليل أنه إستضاف يوم الأربعاء 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2019 في البيت الأبيض وزراء خارجية دول أزمة “سد النهضة” مصر والسودان وأثيوبيا وهي بادرة إستثنائية كأن يلتقي رئيس الولايات المتحدة في مقره الرئاسي مسؤولين في مستويات وزارية.

حدوث مأمول

وما كان مأمولاً حدوثه بعد هذه الإشارة من جانب الرئيس ترمب هو أن تطوي الدول الثلاث الصفحة الأكثر تعقيداً من الخلاف والبدء بصفحة محاطة بإهتمام رئيس الدولة الأكثر تأثيراً في العالم. لكن الذي حدث أن مصر كانت متجاوبة والسودان متفهماً فيما أثيوبيا على موقفها، وفي تصور رئيس حكومتها أن المرونة ستأخذ من بريق الزعامة ذات التأثير له أفريقياً بعد أن يبدأ ملء السد ومن دون أن يستوقفه أن مثل هذا التصلب في الموقف يتناقض مع جوهر جائزة “نوبل” للسلام التي مُنحت له، فضلاً عن أنه ما دام كان رجل دولة يحبذ التسوية السلمية العادلة مع اريتريا فلماذا لا يكون على النسيج نفسه في موضوع “سد النهضة” ومستوعباً دوافع ما جرى في إقليم “تيغراي” النهج نفسه الذي أثمر دوراً محسوباً له في إنجاز إتفاق رموز القوى السودانية المدنية والعسكرية التي تحالفت لإسقاط نظام البشير وتنازعت عند التشاور في صياغة هيكلية النظام الجديد. خلاصة القول إنه لا علاج لأزمة “سد النهضة” من دون مساءلة الرئيس الاثيوبي للنفس: لماذا لم يتم توظيف الفرصة الذهبية التي جاءت من الرئيس الأميركي وتسبَّب عناد صاحب السد بتعليق بعض المساعدات لأثيوبيا؟ فهو قد يبتهج عندما يتبلغ الشروع في بدء ملء السد وعلى وقْع الإعتراض المصري-السوداني. لكن هل ساءل النفس المبتهجة ما الذي يمكن حدوثه. وهل كثير على شعوب المنطقة العيش بالتراضي وفي منأى عن مواجهات كان يمكن بقليل من التبصر والحكمة وعدم تغليب ذات الحاكم على مصير البلاد والشعب، إنقاذ ما من الواجب إنقاذه في حال تحوَّل الإعتراض إلى إستحقاق المواجهة… التي لا قدَّر الله يمكن أن تصبغ مياه النيل بالدم.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه