اللاجئون المهجّرون ومشكلة تعلّم اللغة

بقلم عبدالكريم البليخ كانون1/ديسمبر 12, 2020 419

 

اللاجئون المهجّرون ومشكلة تعلّم اللغة
عبدالكريم البليخ
‭ ‬أقف‭ ‬مندهشاً‭ ‬حول‭ ‬الآلية‭ ‬التي‭ ‬يتمّ‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬قراءة‭ ‬ومعرفة‭ ‬بعض‭ ‬الصور‭ ‬التي‭ ‬أجد‭ ‬أنّها‭ ‬تظل‭ ‬اليوم‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬وقفة‭ ‬صريحة‭ ‬عندها،‭ ‬وتقشير‭ ‬ما‭ ‬أمكن‭ ‬منها‭ ‬حتى‭ ‬يتسنى‭ ‬لي‭ ‬ولغيري‭ ‬من‭ ‬الوقوف‭ ‬عليها‭ ‬وقراءتها‭ ‬بوضوح‭ ‬وبدقّة‭ ‬متناهية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يفسّر‭ ‬لنا‭ ‬مدى‭ ‬الصدق‭ ‬والتعاطي‭ ‬معها،‭ ‬مع‭ ‬هكذا‭ ‬أمور‭ ‬وأشياء‭ ‬طالما‭ ‬تحصل‭ ‬أمامنا،‭ ‬وبصورة‭ ‬يومية‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬الاغتراب‭ ‬التي‭ ‬نعيش‭ ‬فيها‭.‬
في‭ ‬الواقع‭ ‬صار‭ ‬أغلب‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والشباب‭ ‬المهجّرين‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأوربية،‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحقيق،‭ ‬يتغنّون‭ ‬بالفشل‭ ‬الذريع‭ ‬الذي‭ ‬لحق‭ ‬بهم‭ ‬في‭ ‬بلاد‭ ‬النعيم‭ ‬التي‭ ‬وصلوا‭ ‬إليها‭ ‬هرباً‭ ‬من‭ ‬الديكتاتوريات‭ ‬العربية‭ ‬وغيرها،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬عدم‭ ‬توافر‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تناسب‭ ‬قدراتهم‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أداة‭ ‬مساعدة،‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬في‭ ‬شق‭ ‬طريق‭ ‬الحياة‭ ‬القاسية‭ ‬التي‭ ‬يعانون،‭ ‬وما‭ ‬مدى‭ ‬تعاطيهم‭ ‬في‭ ‬إشكالية‭ ‬توافر‭ ‬العمل‭ ‬للجادين‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬إيجاد‭ ‬الفرصة‭ ‬التي‭ ‬تتيح‭ ‬لهم‭ ‬الالتزام‭ ‬بها،‭ ‬والبحث‭ ‬الاستقرار‭ ‬عن‭ ‬الهدف‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬اقتصارها‭ ‬عن‭ ‬تقديم‭ ‬المساعدات‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬الدول‭ ‬بدفعها‭ ‬للاجئين،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬جعل‭ ‬الأغلبية‭ ‬منهم‭ ‬ماكثاً‭ ‬في‭ ‬بيته‭ ‬تُلجمه‭ ‬الاشتراطات‭ ‬التعجيزية‭ ‬في‭ ‬تأمين‭ ‬العمل‭ ‬المناسب‭ ‬وغير‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تناسب‭ ‬الأغلبية‭ ‬منهم‭ ‬رغم‭ ‬البحث‭ ‬المطول‭ ‬عنها،‭ ‬وتحت‭ ‬ظروف‭ ‬قاسية،‭ ‬وتوافرها‭ ‬يظل‭ ‬ليس‭ ‬بالأمر‭ ‬السهل‭! ‬ما‭ ‬أستغربه‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬النمسا،‭ ‬ألمانيا،‭ ‬السويد،‭ ‬هولندا،‭ ‬فرنسا‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الأوربية‭ ‬التي‭ ‬اهتمت‭ ‬بإيواء‭ ‬اللاجئين‭ ‬ورَحَّبْت‭ ‬باستقبالهم،‭ ‬وآوتهم‭ ‬ودعّمت‭ ‬إقاماتهم،‭ ‬لم‭ ‬تحاول‭ ‬يوماً‭ ‬تسهيل‭ ‬الإجراءات‭ ‬بتوافر‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬يناسب‭ ‬قدراتهم،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬المادي‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬تقصّر‭ ‬في‭ ‬دفعه‭ ‬كمساعدة‭ ‬سواء‭ ‬للأسر‭ ‬اللاجئة‭ ‬أو‭ ‬للشباب‭ ‬منهم،‭ ‬واكتفائها‭ ‬بإلزامهم‭ ‬بتعلّم‭ ‬„كورسات“‭ ‬اللغة،‭ ‬والتي‭ ‬يظل‭ ‬فيها‭ ‬خلط‭ ‬كبير‭ ‬وكبير‭ ‬جداً‭..!‬إنّ‭ ‬الغالبية‭ ‬من‭ ‬الخاضعين‭ ‬لأمثال‭ ‬هذه‭ ‬الدورات‭ ‬صدم‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬من‭ ‬التقيّد‭ ‬بالاشتراطات‭ ‬الملزمة،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬أنَّ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭ ‬الذين‭ ‬فرّوا‭ ‬من‭ ‬بلدانهم‭ ‬ولجأوا‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬الأوربية،‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬الأساس‭ ‬هو‭ ‬طلب‭ ‬الاستقرار‭ ‬والأمان‭ ‬والعيش‭ ‬بكرامة،‭ ‬وليس‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬تعلّم‭ ‬اللغة‭ ‬وتكريس‭ ‬الوقت‭ ‬لأجل‭ ‬خاطر‭ ‬عيونها،‭ ‬وخاصة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لكبار‭ ‬السن‭ ‬الذين‭ ‬تم‭ ‬إلحاقهم‭ ‬بها،‭ ‬ومنهم‭ ‬من‭ ‬استفاد‭ ‬بحدود‭ ‬ضيّقة‭ ‬جداً،‭ ‬وظلّت‭ ‬الفائدة‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬أشياء‭ ‬بعينها،‭ ‬حتى‭ ‬أنني‭ ‬أعرف‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأصدقاء‭ ‬والزملاء‭ ‬والمعارف،‭ ‬من‭ ‬حملة‭ ‬الشهادات‭ ‬الجامعية‭ ‬في‭ ‬الحقوق‭ ‬والاقتصاد‭ ‬والآداب‭ ‬والطبّ‭ ‬والهندسة،‭ ‬ممن‭ ‬سبق‭ ‬لهم‭ ‬أن‭ ‬اتبعوا‭ ‬دورات‭ ‬تعلم‭ ‬اللغة‭ ‬وتعديل‭ ‬شهاداتهم،‭ ‬وبإلزام‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬دمج‭ ‬اللاجئين،‭ ‬إلّا‭ ‬أن‭ ‬مستوى‭ ‬الغالبية‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬تعلم‭ ‬اللغة‭ ‬ومداركها‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬أدنى‭ ‬من‭ ‬المطلوب،‭ ‬رغم‭ ‬قضاء‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬اتباع‭ ‬دوراتها،‭ ‬وهذه‭ ‬معاناة‭ ‬كبيرة‭ ‬ظلت‭ ‬تلازمهم،‭ ‬ولكن‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬الحل؟‭ ‬الحل‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬اتباع‭ ‬التعليمات‭ ‬والاشتراطات‭ ‬الخاصة‭ ‬بهم‭ ‬وإلّا‭ ‬ستلجأ‭ ‬الجهات‭ ‬المسؤولة‭ ‬إلى‭ ‬قطع‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مخصص‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬مساعدات‭ ‬رمزية‭ ‬تصرف‭ ‬مع‭ ‬أوّل‭ ‬الشهر،‭ ‬والأنكى‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬لمسناه،‭ ‬أنَّ‭ ‬هناك‭ ‬نسبة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬اللاجئين،‭ ‬ممن‭ ‬تجاوز‭ ‬عمره‭ ‬الستين‭ ‬عاماً‭ ‬ونيّف،‭ ‬أميين‭ ‬بالفطرة،‭ ‬لا‭ ‬يعرفون‭ ‬ألف‭ ‬باء‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة‭ ‬في‭ ‬لغتهم‭ ‬الأم،‭ ‬ومطلوب‭ ‬منهم‭ ‬الالتزام‭ ‬بدورات‭ ‬تعلم‭ ‬لغة‭ ‬الدولة‭ ‬المضيفة‭ ‬وإتقانها،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬الكثيرون‭ ‬أنّهم‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬أيّ‭ ‬شيء‭ ‬عن‭ ‬لغتهم‭ ‬الأم،‭ ‬ويجهلون‭ ‬حروفها‭ ‬قراءةً‭ ‬وكتابة‭ ‬تماماً‭! ‬وبرأي‭ ‬الشخصي،‭ ‬بالنسبة‭ ‬للأميين‭ ‬منهم،‭ ‬ممن‭ ‬يجهلون‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،‭ ‬من‭ ‬المفروض‭ ‬اعفائهم‭ ‬كلية‭ ‬من‭ ‬اتباع‭ ‬أمثال‭ ‬هذه‭ ‬الدورات‭ ‬التعليمية‭ ‬التي‭ ‬تظل‭ ‬بلا‭ ‬فائدة‭ ‬منها‭! ‬لا‭ ‬شك‭ ‬أنَّ‭ ‬اللغة‭ ‬ودورها‭ ‬كبير‭ ‬وكبير‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬المعرفة،‭ ‬وإدراك‭ ‬المحيط‭ ‬الذي‭ ‬نعيش‭ ‬فيه،‭ ‬ولكن‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬هدر‭ ‬الوقت‭ ‬وضياعه‭ ‬بدون‭ ‬فائدة‭ ‬بالزام‭ ‬اللاجئين‭ ‬بدورات‭ ‬اللغة،‭ ‬وتحت‭ ‬تهديد‭ ‬قطع‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مخصص‭ ‬لهم‭ ‬من‭ ‬دخل‭ ‬مالي‭ ‬يساعدهم‭ ‬على‭ ‬المعيشة،‭ ‬وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر،‭ ‬وما‭ ‬يؤسف‭ ‬له،‭ ‬هو‭ ‬عدم‭ ‬توافر‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬يحاول‭ ‬اللاجئ‭ ‬الاعتماد‭ ‬عليه‭ ‬بصورة‭ ‬مستمرة‭ ‬في‭ ‬معيشته‭ .. ‬وسبق‭ ‬لأحد‭ ‬اللاجئين‭ ‬من‭ ‬حملة‭ ‬الشهادة‭ ‬الجامعية‭ ‬أن‭ ‬طلب‭ ‬من‭ ‬احدى‭ ‬المسؤولات‭ ‬عن‭ ‬احتضان‭ ‬اللاجئين‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬كعامل‭ ‬تنظيفات،‭ ‬فقوبل‭ ‬طلبه‭ ‬بالرفض؛‭ ‬والحال‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬البناء،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬أعمال‭ ‬شاقة‭ ‬إلّا‭ ‬أنها‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬ظلت‭ ‬حكراً‭ ‬على‭ ‬فئة‭ ‬بعينها‭!. ‬إنّ‭ ‬مشكلة‭ ‬توافر‭ ‬العمل‭ ‬بالنسبة‭ ‬للاجئين‭ ‬في‭ ‬الدول‭ ‬الأوربية‭ ‬ظل‭ ‬همّ‭ ‬دائم‭ ‬يعاني‭ ‬منه‭ ‬الأغلبية‭ ‬منهم‭. ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مطلوب‭ ‬من‭ ‬اللاجئين‭ ‬هو‭ ‬الالتزام‭ ‬بدورات‭ ‬تعلم‭ ‬اللغة‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تشجع‭ ‬الدول‭ ‬الحاضنة‭ ‬للاجئين‭ ‬الانخراط‭ ‬فيه،‭ ‬بل‭ ‬ابقائهم‭ ‬بين‭ ‬مطرقة‭ ‬اتباع‭ ‬دورات‭ ‬تعلم‭ ‬اللغة،‭ ‬وسندان‭ ‬المعونة‭ ‬الشهرية‭!‬

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه