ardanlendeelitkufaruessvtr

في ضيافة فكرة

بقلم أمجد توفيق تشرين2/نوفمبر 06, 2016 481

في ضيافة فكرة
أمجد توفيق
ليست ثمة فكرة أهم وأخطر من فكرة الموت. وليست ثمة فكرة أعلنت عن نفسها، وواصلت شهيتها في تقديم البراهين، ولم يتعبها أو يوهنها التكرار، كما أعلنت، واشتهت، وتحمّست فكرة الموت. إنها أذلّت الجبارين، وأرعبت قساة القلوب، وتركت الإنسان أمام قدره خائفا عاجزا.
يقترب الموت أو يبتعد، يحضر أو ينأى، يظهر أو يختفي، يعلن أو يتنكر، في حالاته كلّها وفي أشكاله جميعها يبقى الموت قاسيا مرعبا عدوانيا. وكان أعظم جهد للإنسان في التاريخ هو إعداد نفسه للمواجهة الكبرى.
تعددت الطرق، والمسالك، والاختيارات. بين النسيان، والتغافل، والبحث عن العمل الصالح، وابتغاء خلود الذكر، والإنكار، والتسليم، والرعب، والسخرية، يقف الإنسان حيث لا خـلاص. ولأن الموت كالحياة لا يأتي سوى مرة واحدة.
ولأنه لا يمنح أحدا حق التجربة. ولأنه لا يعلن عن موعده، فمن العبث حقا أن نفسد حياتنا بالخوف من لقائه. ومن العبث أيضا أن نزعم أننا حسمنا الأمر، ذلك أن فكرة الموت فكرة مخادعة، لها القدرة على بث إشارات، ورسم علامات، وإيصال إحساسات ونبوءات. ولها من القدرة ما يكفي لأن تعلن عن حضورها في كل زمان ومكان. فكيف تتم الاستكانة، ويتحقق الصفـاء؟
وعندما تكون الحرب فردوس الموت، وأعلى نقطة في شهية مفتوحة مدمّرة، وعندما تلد الحرب حروبا تكون شارة الموت وعلامته أوضح من أيّ قدرة أو رغبة على إخفائها أو ستر ويلاتها.
والموت كفكرة أهم من الحرب بكثير، ذلك أنها وجه أو صورة أو إشارة له. والخوف من الحرب، لا يعني أكثر من قــدرة الحـرب على استحضار الموت للإعلان عن فعله. وكلمة حرب بحروفها الثلاثة تنتظم حول معان بوشائج واضحة، كيفما رتبت هذه الحروف. إن كلمات مثل: حرب/ بحر/ رحب/ حبر/ ربح/ برح، تستحضر دلالات تحوم حول الموت، والسعة، والامتداد، والغياب.
فالمكان الواسع تستلزمه الحرب لإشباع شهية الموت، وسعة البحر أو عمقه تستدعي سعة الدلالات التي يشيعها الموت. والحبر عالم من الكلمات واسع سعة الموت، والربح كلما كان عظيما كبيرا فإن تأثيره أكبر، إذ لا نهاية لرغبة القضاء على الأحياء، وبرح توحي بالغياب عن مكان أو زمان، وكذا يفعل الموت.
أعود، فأقول: من العبث أن نفسد حياتنا بالخوف، ولكنني أعاني الآن حيرة حقيقية بشأن إعداد ردّ لرسالة تلقيتها من صديق مقيم في أوروبا. إنه يقول: تخيّل لو أن استطلاعا للرأي أعد، في المدينة الأوروبية التي أسكنها، حول تهديدات الموت التي يمكن أن يواجهها الفرد أو يتوقعها، فإني أؤكد لك أن الخيارات، أو نسبة كبيرة منها ستدور عن الوفيات الطبيعية ليس إلا. ولو نقلنا هذا الاستطلاع إلى بغداد أو أيّ مدينة عراقية، فإني أنتظر أن تجيبني أنت عـن الخيارات المتاحة.
كيف أجيب؟ من حرب الشمال إلى الانقلابات العسكرية. من الحروب مع إسرائيل إلى الحرب مع إيران. من حرب الكويت إلى حروب العالم ضد العراق. من حرب الحصار إلى حروب الغزو والاحتلال. من حرب القاعدة إلى حرب داعش. ثم سيل من تهديدات وتوقعات بما هو أحلك وأظلم.
لا يتوقع الفرد سوى الموت قتلا. الموت برصاصة طائشة أو رصاصة غادرة. الموت بتفجير شارع أو سيارة أو بناية. الموت بقصف صاروخ أو قنبلة.
قائمة يطول تعدادها، وشرح وسائلها، إلا أنها تملك ما يكفي لتجعل الموت فردا مضافا على العائلة في إفطارها وغدائها وعشائها.
كيف أجيب؟ وهل لي أن أتخلّى عن دعوتي بعدم إتاحة الفرصة للموت بإفساد الحياة؟ أظن أن الأمر يتطلب قراءة أخرى، شرطها طعن المنطق الذي يقود إلى التعامل مع الرعب كأمر واقع.
كاتب من العراق



سراب/12

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It