ardanlendeelitkufaruessvtr

هل يتجاوز الليبيون أزمتهم بمعزل عن التدخل الخارجي؟

بقلم الحبيب الأسود كانون2/يناير 03, 2021 193

 

هل يتجاوز الليبيون أزمتهم بمعزل عن التدخل الخارجي؟
الحبيب الأسود
التعامل مع ليبيا كغنيمة لا يزيد الوضع إلا تأزما، وترك مقاليد السلطة والنفوذ بين أيدي أمراء الحرب وأصحاب الأجندات الوافدة وأثرياء الأزمات، لن يدفع إلا إلى عقد آخر من الخراب والدمار.
التدخل الأجنبي بوابة كل بلاء
ينتظر الليبيون من العام الجديد 2021 أن يكون مختلفا ولو قليلا، عن الأعوام العشرة الماضية، أن يكون أرفق وأحنّ وأحدب على المواطن البسيط، وأن يكون أكثر عطفا وأقل قسوة على المقهورين والمظلومين والمحرومين والنازحين والمهجّرين والمحتجزين في كهوف الظلام الميليشياوي، وأن يحمل معه بشائر خير لنساء يحملن هموم مجتمع تلاعبت به عواصف الفتنة والفوضى، ولشباب لديه أحلام يطمح إلى تحقيقها في ظل وطن آمن وموحّد، ولأطفال يواجهون الفقر والمرض فوق أرض غنية بالثروات.
ويتمنى الليبيون ألا يكون العام الجديد كالعشرية السابقة، بما شهدته من حروب وصراعات وانفلاتات أمنية، وتدخلات خارجية وتصدعات مجتمعية وانهيارات مالية واقتصادية، ونهب ممنهج لمقدرات البلاد، ونفوذ ميليشياوي وإرهاب إسلاموي ونعرات عرقية ومناطقية، ومن خيانات الوطن، وتبعية للخارج، وعمالة للأجنبي، وتآمر على مؤسسات الدولة، وترويج مفضوح لخطاب الحقد والكراهية.
يستطيع الليبيون أن يتحدوا أنفسهم وظروفهم وينتصروا لوطنهم خلال العام 2021، وأن يتجاوزوا آلام الماضي، ويطووا صفحة الصراعات العبثية، وينطلقوا نحو آفاق جديدة في بلد قادر على أن يكون من أكثر دول العالم أمانا واستقرارا ورفاها لمواطنيه، وسلاما مع جيرانه، وتفاعلا إيجابيا مع الإقليم والعالم. فهو بمساحته الشاسعة وموقعه الإستراتيجي المهم، وما كان يتميز به من نسيج اجتماعي متين وغير قابل للاختراق، وما يمتلكه من ثروات باطنية ومن مميزات طبيعية غنية متنوعة، ومن إرث حضاري وتاريخي وثقافي لافت ومهم ومتعدد الأبعاد، يمكن أن يكون بلدا مثاليّا على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط، سواء من ناحية الاستثمار والسياحة، أو من ناحية توفير الخدمات ونقلها إلى محيطيه العربي والأفريقي.
ولا شك أن التفاؤل بمستقبل ليبيا يشترط نكران الذات من قبل الفاعلين السياسيين، والنظر إلى مصلحة الوطن أولا، وأن يكف الواهمون بإمكانية السيطرة على البلاد لدوافع حزبية أو عقائدية أو جهوية وقبلية عن أوهامهم، لأن ليبيا لا تُحكم إلا بتوافق اجتماعي انطلاقا من خصوصياتها الثقافية المتوارثة التي لا يمكن إسقاط تجارب الدول الأخرى عليها، إلا بمقاييس ذلك التوافق، والذي لن يتحقق إلا بالدخول في مصالحة وطنية شاملة، وبضمان التوزيع العادل للثروة، وبالتخلي عن المحاصصات واعتماد الكفاءة وحدها في إسناد مهامّ إدارة الشأن العام، وتخلي قوى الإسلام السياسي عن أطماعها التي تتجاوز إمكانياتها وحجمها داخل المجتمع.
كما أن ليبيا تحتاج إلى تعميم ثقافة المواطنة والانفتاح على العصر والعالم، ومواجهة كل أشكال التشدد الديني، وتدخل رجال الدين في الحريات الفردية والعامّة، وكذلك إلى تطوير الخدمات بكافة أشكالها من إسكان وصحة وتعليم وتربية وثقافة ومن الحاجات اليومية للسكان المحليين، والانطلاق بجدية في معركة إعادة الإعمار لتطوير البنى التحتية وفق الخطط الموضوعة سابقا، أو بإعادة النظر فيها لدعمها بما يتجاوب مع متطلبات المرحلة.
إن التعامل مع ليبيا كغنيمة، من قبل هذا الطرف أو ذاك، لا يزيد الوضع إلا تأزما، وترك مقاليد السلطة والنفوذ بين أيدي أمراء الحرب ولصوص المال العام وأصحاب الأجندات الوافدة وعملاء الخارج وأثرياء الأزمات، لن يدفع إلا إلى عقد آخر من الخراب والدمار، والتعويل على الحلول المستوردة لن يخرج البلاد من النفق، فأهل ليبيا أدرى بشعابها وبتوازناتها المناطقية والقبلية، وتقاسم عبء الوطن في ظل الاحترام المتبادل، سيعطي فسحة للتأمل ينتج عنها الحل العملي المبني على اجتهادات العقل وليس على العواطف التي لا تنتج إلا المزيد من الاندفاع نحو الفوضى.
أعرف أن الليبيين يطمحون إلى أن تكون بلادهم في وضع يليق ببلد ثري، ويتمتع بموقع إستراتيجي في قلب العالم، ويعلم أصحاب الاختصاص أن لليبيا إمكانات لا حدود لها، فوق الأرض وتحتها، وفي البر والبحر، وفي الساحل والصحراء، وفي الشرق والغرب والوسط، وأن تلك الإمكانات لم يتم استغلالها في يوم ما، وأغلبها لا يزال غير مكتشف كذلك، وهو ما يعني أن البلاد يمكن أن تتحول إلى ورشة عمل كبرى، تستقطب الملايين من العمالة الأجنبية، وأن تتحول إلى مركز تجاري ومالي واقتصادي وسياحي يغيّر وجه المنطقة، ولكن ذلك لن يتحقق إلا بالتوافق الداخلي بين مكونات المجتمع، وفي ظل قيادة وطنية جامعة، تحظى بالاحترام في الداخل والخارج.
لقد أثبتت التجربة أن الحلول الخارجية تبقى منقوصة، وأن التدخل الأجنبي بوابة كل بلاء، وأن النماذج المستوردة لا تفي بالحاجة ولا يمكن أن تحل المشاكل، لذلك فإن على الليبيين الوطنيين، وخاصة من يوجدون في مراكز القرار، أن يضحّوا قليلا أو كثيرا من أجل بلادهم، وأن ينظروا إلى وطنهم ومجتمعهم من الداخل، وليس من خلال وجهة نظر الآخر الأجنبي، مهما كان حجمه وموقعه، وأن يتخلوا عن رفاهية السلطة، ويتمتعوا بشرف المساهمة في تجاوز الأزمة، وبأن تكتب أسماؤهم في لوحات شرف البناء الوطني لا في صفحات العار الذي لا تمحوه السنون ولا القرون.
إن على أصحاب القرار أن ينتبهوا إلى أن الأجيال الجديدة التي ولدت ونشأت أو تفتّح وعيها في ظل أزمة السنوات العشر، لن تسامحهم لاحقا، وأن الاستقواء بالقوات الأجنبية والمرتزقة لن ينقذهم من غضب الشعب إذا قرر يوما ما أن يثأر لنفسه ولوطنه، وأن محاولات التذاكي لتأخير الحل وتأبيد الأزمة بغاية الاستمرار في الحكم والنهب، لن تجدي نفعا خارج إطارها الزمني الافتراضي، كما أن الإبقاء على استبعاد المصالحة الوطنية لن يطوي صفحات الثأر ولن ينسي المظلومين حقوقهم، لذلك فإن لا أمل إلا في استعادة الوعي والرجوع إلى العقل، وتحدي النفس وأنانية الفرد، في اتجاه مصلحة المجتمع ككل، خصوصا وأن في ليبيا ما يكفي الجميع، وهي لا تحتاج إلى سلام شامل يطلق إرادة الشعب للعمل واستثمار مقدرات بلاده في ظل دولته الواحدة الموحدة.
كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It