ardanlendeelitkufaruessvtr

زجاج الأمنيات

بقلم إبراهيم الجبين آذار/مارس 05, 2021 237

 

زجاج الأمنيات

إبراهيم الجبين
الفقر أن تكون بلا أمنيات. وبلا أمنيات ينهشك الخوف من الحاضر والمستقبل.
لماذا تحرص على أن تكون بلا عيوب
كثيراً ما ضاقت صدورنا ونحن نقرأ التراث، من حال الأعراب وصلفهم وخشونتهم، وغالباً ما كان ذلك يرجع إلى فكرة أن الأعرابي بالمعنى الدقيق للكلمة، وليس العربي، هو ذاك الذي يرفض الحداثة، ويتشبّث بما وجد عليه أسلافه، منكراً أن يزحزحه أحدٌ عمّا عهده واعتاد العيش فيه. وللمناسبة فإن هذه الكلمة ”أعرابي“ بابلية آشورية تعني جميع من يسكنون خارج المدن المتحضّرة، ولا تشير إلى عرق بعينه.
لكن المعرفة تفتح بوابة اللانهاية، ويمكنها أن تجلب لك ما لم يكن يخطر لك ببال. وقد قرأتُ في كتاب داود الأنطاكي “تزيين الأسواق في أخبار العشاق” أن أعرابياً سألوه: ما أمتع لذّات الدنيا؟ فقال “مُمَازَحةُ الحبيب ومُحَادَثةُ الصديق، وأمانيُّ تقطع بها أيامك”.
وقد أعاد لي هذا الأعرابي “الضال” الذي كنت أبحث عنه طويلاً، حقيقة يطيب لي أن أكرّرها، أن السمكة لا تكبر إلا حسب حجم الحوض الزجاجي، لأنها وبذكائها الذي وهبته إياها الطبيعة الأم، تتكيّف مع حجم المكان الذي تعيش فيه، فإن وضعتها في حوض صغير، بقيت صغيرة إلى الأبد، وإن زدت من حجم الحوض ستكبر السمكة وتكبر لأن جسدها يدرك أن لديه فضاء للحركة أوسع من ذي قبل.
وحين يقول الأعرابي إن من مُتعه في الحياة، بعد “سوالف” الأحباب والأصدقاء، أمنياتٌ يحدّث نفسه بها ليقطع أيامه، حتى لو لم تتحقق، فإنه يصيب كبد الحقيقة كما يقال.
لا يمكنك أن تعيش حياة طبيعية بلا تلك الأمنيات، وإن أنت حرمت نفسك منها، تكون قد قلّصت حجم الحوض الذي يعيش فيه عقلك. فلا يتحقق شيء ولا يكبر شيء ولا يتشكّل فضاء للحركة من حولك.
الفقر أن تكون بلا أمنيات. وبلا أمنيات ينهشك الخوف من الحاضر والمستقبل. وبلا أمنيات تصبح عرضة لآلة تحفر وتنقّب في عيوبك بلا توقّف. ولكن لماذا تحرص على أن تكون بلا عيوب. ما النقص في ذلك؟ حتى لو كان من عيوبك كثرة التمنّي وأحلام اليقظة.
وليتك تذكّر نفسك ببيت الشعر الذي يتنافس عليه كلٌّ من علي بن الجهم وبشّار بن برد ويزيد المهلّبي وغيرهم، والذي يحسم أمر النفس ونواقصها حين يقول ”ومن ذا الذي تُرجى سجاياه كلّها، كفى المرءَ نُبلاً أن تُعدَّ معايبه”.
نحن البشر، سلالة من بين 8.7 مليون كائن حي، ظهرنا على هذا الكوكب الصغير لكي نشارك بكل شيء فيه، بما نفعله من صواب أو خطأ، لا يمكن لأحد أن يمنعنا إلا إن قمنا نحن بتحريم الخلق والإبداع على أنفسنا ذاتياً، ومن طبيعة هذه السلالة أن أداءها المعيب عادة ما ينتج ابتكاراً أو نظرية جديدة تقفز بها نحو المستقبل، هناك حيث زجاج الأمنيات غير القابل للكسر.
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It