ardanlendeelitkufaruessvtr

أهمية الفلورا المعويّة في مكافحة السمنة و الالتهاب

بقلم نسرين ولها آذار/مارس 10, 2021 330

نسرين ولها : باحثة تونسية في علم الأحياء

انطلاقًا من مختلف التجارب العلمية الحديثة، تعتبر البكتيريا المعوية الآن عضوًا رئيسيًا يشارك في توازن طاقة الجسم. حيث تشير التجارب الأخيرة إلى أنّ التغييرات في النّبيت الجرثومي للأمعاء يمكن أن تساهم في تطوير اضطرابات التمثيل الغذائي التي ينجم عنها مرض السكري من النوع 2 والسمنة.

 أوّلاً، تزيد البكتيريا المعوية من كفاءة الطاقة للأغذية غير المهضومة عن طريق التّخمير، وبالتالي توفّر المزيد من الطاقة للجسم. ثانيًا، يخضع تدفّق الأحماض الدّهنية وتخزينها في الأنسجة الدهنيّة لسيطرة عامل الخلايا الدّهنية النّاجم عن الصيام FIAFالذي تتحكم فيه الفلورا المعوية.

 ثالثًا، النظام الغذائي الغني بالدهون يغير تركيبة بكتيريا الأمعاء أو "النبيت الجرثومي المعوي" أي "الفلورا المعوية "، ممّا يؤدي إلى انخفاض نسبة "البيفيدوباكتيريا" وهي البكتيريا النافعة، وارتفاع ملحوظ في نسبة تركيز متعدد سكاريد ليبيدي"LPS" في بلازما الدم، وكل ذلك يساهم في ظهور الالتهاب ومقاومة الأنسولين ومرض السكري من النوع 2 المرتبط بالسمنة.

 يمكن لتغيير تركيبة البكتيريا الدقيقة في الأمعاء أن يكون أداة مفيدة لمنع أو علاج متلازمة التمثيل الغذائي التي يسببها النظام الغذائي الاجهادي الذي يحتوي على نسبة عالية من الدهون ونسبة منخفضة من الألياف.

يعد مرض السكري من النوع 2 والسمنة من الاضطرابات الأيضية المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بعدم التوازن بين تناول الطاقة من الطعام والإنفاق. لذلك، فإن العوامل البيئية المذكورة بشكل كلاسيكي لمكافحة تطور تراكم كتلة الدهون والأمراض المصاحبة لها هي الحد من تناول الطاقة الزائدة وتعزيز النشاط البدني. و في هذا الإطار، قام باحثون بدراسة حول مجموعة سكانية معيّنة تتعرض للإجهاد الغذائي أي" (نظام غذائي عالي الدهون)" ،  فوجدوا أنّ بعض الأفراد يعانون من السمنة وارتفاع السكر في الدم ، بينما الآخرون أقل حساسية للتغييرات الأيضية المرتبطة بسكر الدم.. حتى لو كان من الممكن ربط القابلية الفردية للإصابة بالجينوم " عوامل وراثية " ، فإن عامل "بيئي" جديد يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالفرد ، والذي يميزه منذ الولادة ، يبدو أنه يشارك في التحكم في وزن الجسم واستتباب الطاقة: الفلورا المعوية. 

  من الناحية العلمية، يعتبر الجهاز الهضمي - القولون بشكل أساسي -  موطنا لملايين الخلايا البكتيرية من حوالي 1000 نوع ، وهو ما يتجاوز بكثير أي مجتمع بكتيري آخر مرتبط بجسم الإنسان. لهذا السبب، يوصف البشر أحيانًا على أنهم "ميتاجينوم"، يتكون من كل جينات الجينوم البشري من ناحية، والميكروبيوم البكتيري من ناحية أخرى. لكنّ الميكروبيوم يحتوي على جينات أكثر بمئة مرة من الجينوم البشري. لم يتم الكشف عن الغالبية العظمى من الأنواع البكتيرية الموجودة في الأمعاء في الدراسات التي تستخدم التقنيات التقليدية القائمة على زراعة البكتيريا. في الآونة الأخيرة، تم الكشف عن المعلومات المتعلقة بالتنوع والجوانب الوظيفية للكائنات الحية الدقيقة الموجودة في الأحياء المعوية باستخدام تقنيات تحليلية متطورة. كما تم إجراء معظم الدراسات الميكانيكية والميتاجينومية على نماذج حيوانية، والتي أظهرت أن الكائنات الحية الدقيقة التي تستعمر الأمعاء توفر سمات وراثية وأيضية مفيدة، خاصة في التعامل مع العوامل البيئية التي نواجهها.

من بين الأدوار الرئيسية للفلورا المعوية: الدفاع ضد الكائنات الحية الدقيقة المسببة للأمراض، وتقوية المناعة، وتطوير الميكروفيلي المعوي، وتخمير العناصر الغذائية التي هربت من الهضم في الجزء العلوي من الأمعاء (الألياف الغذائية، النشا المقاوم، قليل السكريات)، والتمثيل الغذائي اللاهوائي للببتيدات أو البروتينات، والتحول الحيوي للأحماض الصفراوية، أو حتى تصنيع فيتامينات معينة (فيتامينات B12 و K). ولذلك يمكن اعتبار الفلورا المعوية "عضوًا خارجيًا" حقيقيًا يساهم في التوازن الأيضي مما يخلق تعايشًا حقيقيًا مع الكائن الحي المضيف.

 تمتلك الكائنات الحية الدقيقة في القولون الخصائص الجينومية التي تمنحها القدرة على الاستفادة من العناصر الغذائية المفيدة التي أفلتت من الهضم في الأمعاء العلويّة. وهي بدورها تنتج مستقلبات (أحماض كربوكسيلية قصيرة السّلسلة) والتي عندما تمتصّها الخلايا المعوية، تساهم كركيزة ومنظم استقلابي للمضيف.

يتميز تناول نظام غذائي غني بالدهون بتطوّر مرض السكري من النوع 2 والسمنة، و يرتبط كلاهما ارتباطًا وثيقًا بحالة التهابية خفيفة.  حيث اكتشف العلماء مؤخرًا كيف أن عاملًا مرتبطًا بالبكتيريا قد يكون مسؤولاً عن الإصابة بالسمنة ومرض السكري أثناء اتباع نظام غذائي غني بالدهون. لقد وجدوا أن متعدد سكاريد ليبيدي"LPS" من البكتيريا سالبة الجرام في الأمعاء يمكن أن يكون المرشح المثالي للاضطرابات الأيضية. حيث يتم إنتاج متعدد سكاريد ليبيدي "LPS"بشكل مستمر في الأمعاء بعد تحلل البكتيريا سالبة الجرام ويتم امتصاصه من الناحية الفسيولوجية ثم نقله من الأمعاء إلى الأنسجة المستهدفة بواسطة آلية تعتمد على البروتين الدهني. بالإضافة إلى ذلك، فإن متعدّد سكاريد ليبيدي يحفز إفراز السيتوكينات المؤيدة للالتهابات عندما يرتبط بمركب CD14 / TLR4 الموجود على سطح الخلايا المناعية.

في الحقيقة، يوجد متعدد سكاريد ليبيدي" LPS"على الغشاء الخارجي للبكتيريا سالبة الجرام مثل الإشريكية القولونية و السالمونيا وهي عادة ما توجد في الدم عند مستويات منخفضة جدا. في حالات عدوى معينة، تزيد مستويات متعدد سكاريد ليبيدي"LPS" بشكل كبير ممّا يؤدي إلى تعفن الدم. يمكن أيضا، أن يدخل متعدد سكاريد ليبيدي "LPS" الدم أثناء وجود تسرب في الأمعاء أو مع أنواع معينة من الدهون. وهو يعتبر أحد الأسباب الرئيسية لالتهاب منخفض الدرجة ولمرض الإكتئاب ولضعف الوظيفة الإدراكية وللانسحاب الاجتماعي. كما يعتبر متعدد سكاريد ليبيدي رابطا أساسيّا بين النظم الغذائية المشبعة بالدهون والالتهابات والسمنة واضطرابات التمثيل الغذائي.

ولمزيد من التفصيل، فإنّ عنصر الدهون في متعدد سكاريد ليبيدي  LPS المسمى بالدهن "أ" هو المسؤول عن الخصائص السامة و الالتهابية لمتعدد سكاريد ليبيدي . وبمجرد أن تموت البكتيريا ويتفكّك غشاء الخلية، ينكشف الدهن "أ" و يمكن أن يسبّب الضرر.

إذًا، قدرة "LPS" على تعزيز الالتهاب تعتمد على دخوله مجرى الدم وذلك يكون إمّا عن طريق تسرب في أمعاء " زيادة نفاذية الأمعاء " أو من خلال الكيلومكرونات وهي ناقلات للدهون مسؤولة عن امتصاص ونقل الدهون الغذائية والكوليسترول من الأمعاء إلى الدم. 

و يعد ربط و نقل متعدد ساكريد ليبيدي "LPS"بواسطة الكيلومكرونات" chylomicrons"   عملية طبيعية تساعد على إزالة LPS بسرعة ولكن ، يمكن أن يظلّ بعضها غير مرتبط في الدم و بالتالي يجد متعدد ساكريد ليبيدي الجو الملائم ليرتبط بخلايا الدم البيضاء فيوجهها لإنتاج عوامل النسخ NF-KB و .AP-1 ثم تُحفّز عومل النسخ تلك إنتاج السيتوكينات الالتهابية TNF-a و IL-1b و  IL-6  و.CRPويمكن أن يزيد LPS أيضا من إنتاج أكسيد النيتريك و الأيكوسانويد ( خاصّ بتكسير الدهون) الذي من شأنه أن يزيد من الالتهاب. 

 من بين الأساليب المستخدمة لتعديل الفلورا المعوية هي الاعتماد على  البريبيوتيك" prébiotiques" والبروبيوتيك probiotiques  ".

 البريبويوتيك هي: "مادة غذائية توجد في الفواكه و الخضروات لا يستطيع الجزء العلوي من الجهاز الهضمي هضمها لذلك فهي تمر إلى الأمعاء لتصبح غذاء للبكتيريا هناك، حيث تقوم بكتيريا (bifidobacteria ، lactobacilli) بتخميرها  ليستفيد الجسم منها و بالأخص خلايا القولون. و قائمة الأطعمة التي تحتوي على البريبيوتيك طويلة نذكر منها : جذر الهندباء البرية حيث يُغدّي الأنسولين  الموجود في أليافها بكتيريا الأمعاء فيحسّن من الهضم و يساعد في تخفيف الإمساك.   أيضا ثمة الثوم الذي يعمل كمضاد حيوي  يُعزّز نُموّ البكتيريا النافعة في القناة الهضمية و يقضي على البكتيريا الضارة. و في نفس السياق، نجد البصل الغني بمادة الفلافونويد كيرسيتين التي تعطي البصل خصائص مضادة للأكسدة ومضادة للسرطان.  كما يحظى الموز بشعبية كبيرة فهو غني بالفيتامينات و المعادن و الألياف. وقد ثبت أن ألياف البريبيوتيك الموجودة في الموز تزيد من بكتيريا الأمعاء الصحيّة وتقلل من الانتفاخ.  و نختم بمثال الشعير حيث أثبتت التّجارب العلمية أنّ بيتا جلوكان " the beta-glucan"في الشعير يخفّض الكوليسترول الكلي والكوليسترول الضار وقد يساعد أيضًا في خفض مستويات السكر في الدم.

ويعد قليل السكاريد الفركتوزي "fructooligosaccharide"نوع من أنواع البريبيوتيك.  وهذه الألياف الغذائية المخمرة قادرة على زيادة البكتيريا النافعة بشكل كبير من جنس بيفيدوباكتيريوم Bifidobacterium" والعصيات اللبنية Lactobacillus" في جسم الإنسان. البيفيدوباكتيريا قادرة على تقليل محتوى الأمعاء من متعدد سكاريد ليبيدي  "LPS "وتحسين سلامة بطانة الأمعاء.. ترتبط الزيادة في البكتيريا " المفيدة" بالسيطرة على مستوى الالتهاب في الجسم، وتحسين تحمل الجلوكوز وإفراز الأنسولين الناجم عن الجلوكوز. لذا، تُظهر أغلب التجارب العلميّة الحديثة في هذا المجال أن الجراثيم المعوية يمكن أن تكون هدفًا مثيرًا للاهتمام للحفاظ على وظائف التمثيل الغذائي الطبيعية أو استعادتها.

يمكن،أيضًا، أن يرتبط تعديل الفلورا المعوية بتنظيم إنتاج الببتيدات المعوية المشاركة في إدارة الشهية وإفراز الأنسولين و تعديل سكر الدم و وزن الجسم. إذْ يؤدي تناول البريبيوتيك من نوع الفركتان إلى زيادة الإنتاج الداخلي للببتيدات مثل الببتيد 1 الشبيه بالجلوكاجون (GLP-1) ، والببتيد الأنسولين المعتمد على الجلوكوز (GIP) والببتيد YY .

بالنسبة" للبروبيوتيك" فهي تحتوي على بكتيريا حيّة تُعطى عن طريق الفم بكميات كافية لاستيطان القولون من أجل زيادة عدد الميكروبات الصحية في المعدة. ولعلّ أكثر الأطعمة احتواءً على البروبيوتيك هو الزبادي" yaourt " .كما يتوفر البروبيوتيك في شكل مُكمّلات غذائية ،  و كما هو الحال  دائما يجب استشارة الطبيب لينتقي لك البروبيوتيك المناسب لعلاج حالتك المرضية. 

وخلاصة القول، يزيد تناول الألياف المخمرة من نوع البريبيوتيك من محتوى البكتيريا النافعة في الأمعاء بشكل كبير. ويصاحب ذلك انخفاض في مستويات متعدد سكاريد ليبيدي "LPS" في البلازما وبالتالي انخفاض في الالتهاب. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ تخمير البريبيوتيك يزيد من عدد الخلايا L المعوية ومنتجات إفرازها - GLP-1 و PYY – و كلاهما يشاركان  في تنظيم توازن الكربوهيدرات، التقليل من الشهية المفرطة، و الإحساس بالشبع.

 وكُلّما كان نظامك الغذائي أكثر صحّةً وبعيدًا عن الدهون المشبعة، كانت الفلورا المعويّة في أوج عطائها وصرتَ أكثر صحّةً وتألّقًا.

قيم الموضوع
(1 تصويت)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It