ardanlendeelitkufaruessvtr

في الحدث الأردني

بقلم عدلي صادق نيسان/أبريل 07, 2021 211

 

في الحدث الأردني

عدلي صادق

أسباب ما حدث في الأردن لا تخرج عن العوامل الأردنية البحتة وهذا يسهل الوصول إلى حل أردني يطوي هذه الصفحة التي أعلن عن بدايات طيها بتدخل الأمير الحسن بن طلال.
العوامل والحلول أردنية
معطيات عدة جعلت الحدث الأردني، الذي وصفته الحكومة بتحفظ، في موازاة تدابير وقائية مطلقة وصارمة، أمرا سيظل ملفوفا بغلالة من الغموض الذي يوحي ولا يصارح، وإلى وقت يطول أو يقصر. ولكن التسريبات والروايات ستظل تتراكم حتى ترتسم الحقيقة الكاملة لما حدث. وبحكم وجود عنصر مهم من “العائلة الهاشمية” في قلب الفعل الذي استحث الإجراءات الوقائية، فإن المسألة ستطوى رسميا وعلنا تحت عنوان الحل “الرحيم” داخل هذه العائلة نفسها!
من بين المعطيات الكثيرة المتوافرة، سُمعت الملاحظة الساذجة، وهي أن إسرائيل كانت حاضرة في الحدث أو محركة له، من خلال ضابط “موساد”، وفي معطى آخر نقيض، قيل في إسرائيل إن العاهل الأردني طلب مساندة نتنياهو، حسب النص الذي نشره عوديت غرانوت في صحيفة “إسرائيل اليوم” المقربة من رئيس الحكومة. وهنا نصبح في صدد إشارة أولى، تنحو إلى تأثيم الأمير الأردني حمزة، وتحويله إلى حالة إسرائيلية، أمام الرأي العام الأردني، وإشارة ثانية تؤكد على الأهمية الإستراتيجية للنظام في التقديرات الإسرائيلية والأميركية، وذلك على قاعدة أن الاختلاف في الرأي على مستوى التفصيلات لا يُفسد للود قضية!
بعد أقل قليلا من ثلاثة أيام على ذلك الحدث المقلق، زُفت إلى الأردنيين والعرب والعالم بشرى نهاية سريعة، جوهرها كلمة السر السحرية التي جاءت في بيان الأمير حمزة، حين قال إنه يضع نفسه بين يديْ جلالة الملك، وسيكون لأخيه دائما سندا وعونا. معنى ذلك أن الشخصية المركزية في الحدث سلمت دفاترها، بصرف النظر عن وعود سمعها من عمه الأمير الحسن بن طلال. فمهما كانت هذه الوعود، لن ترقى إلى معالجة الغُصة الكامنة في قلب الأمير، بسبب إعفائه من منصب ولي العهد. ذلك علما بأن طبائع الأمور في المملكة الأردنية أن يتوالى شاغلو العرش عموديا، من الأب إلى الابن إلى الحفيد، لأن عبدالله الأول بن الحسين بن علي لم يكن له عشرون ابنا، لكي يكون التوالي على العرش بينهم. فلما بويع ابنه طلال ملكا بعد اغتياله المفاجئ، جاء بعده ابنه طلال، ولما أعفي طلال، إما بسبب مشكلة في شخصه، سواء كانت المرض أو آراءه الشخصية أو صلات مع ضباط من الجيش، بويع ابنه الشاب الحسين، في سن يافعة.
من خارج التداول الإنشائي لعبارات عن “الثوابت الهاشمية” وبالنظر إلى ما نشر في الدراسات التاريخية عن علاقة ملك الحجاز، أو “شريف مكة” الحسين بن علي بأولاده (علي وعبدالله وفيصل وزيد) وعلاقة الأبناء ببعضهم البعض، نستنتج أن أمر العروش والأدوار كان طوال الوقت مفتوحا على تعارضات معلنة أو مسكوت عنها. فليست هذه هي القضية، وليست القضية نفسها في أن يتعرض واحد بالنقد لتجربة أخيه. فالأب نفسه اشتكى من ابنه فيصل الأهم شأنا في العلاقة مع الإنجليز، وقال إنه لا يطيعه، وحدث ذلك في السنوات الأخيرة من حكمه، قبل التحفظ عليه في قبرص، دونما اعتراض من الأبناء.
مؤدى القول، إن تحاشينا وقائع التاريخ، هو أن المعطيات الأردنية الراهنة لم تكن تسمح لحمزة بأن يجاهر بانتقادات حادة للأحوال العامة في ولاية أخيه الملك، دون أن يتطرق إلى اسمه سلبا أو إيجابا، وكأنه لا يعول عليه للقيام بأي دور. فالأردن يُعاني من رزمة مشكلات خانقة. وبمصادفات الأقدار، حضر فايروس كوفيد ـ 19 المتفشي في البلاد، ليزيد الطين بلة. ولم يكن الأمير قد جاء بجديد عندما تحدث عن الفساد، لأن أخاه الملك نفسه أفاض في الحديث عن هذه الآفة واتخذ مجموعة من التدابير لمكافحتها. لكن ما اتخذه من تدابير لم يكن كافيا بسبب مصاعب موضوعية كامنة في بُنية الدولة والمجتمع، بحكم كون مثل هذه الآفات معقدة ومتجذرة.
ومن المفارقات أن ما ذهب إليه بعض المحللين، الذين زعموا أن النظام في الأردن قد استُهدف بسبب مواقف الملك عبدالله الثاني حيال القضية الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل، لا يفيد الملك موضوعيا، وهذا ما يدركه الملك نفسه. فخيارات العاهل الأردني ثابتة على المستوى الإستراتيجي، وليس من بينها مثل هذا السياق. وربما عندما استشعر القائلون بهذا المنحى النقص في التعليل، أضافوا إليه ما يفيد بأن ضابط “موساد” إسرائيليا كان على اتصال مع زوجة الأمير، أي معه في المحصلة. وكأنما إسرائيل فقدت الأمل من توجهات الملك، وهذا غير صحيح، وأرادت تغييره والمجيء بأخ له يلائمها، وهذا أيضا غير صحيح. ففي طبائع السياسة على مستوى أي بلد، تكون للمشكلات الاقتصادية ـ الاجتماعية تأثيراتها في حياة المجتمع ومن ثم في رأيه العام. وقد تجتمع المصادفات بأن يكون واحد من أهم العناصر في ظلال الحكم أو من الأسرة الحاكمة لديه السبب الذاتي لأن يتماشى مع تيار النقد في المجتمع وهذا طبيعي.
يجدر القول أيضا إن إسرائيل لو كانت طرفا محرضا على الحدث الأردني، لما كان القائمون على مخطط إحداث التغيير أو القيام بالتمرد أو المساس بالنظام بتلك الرعونة في الحركة، على مستوى التنظيم والاتصالات والأسباب الأخرى للانكشاف، بل لما كان حمزة تحديدا حاضرا في الصورة، باعتباره صاحب موقف نقدي مشهود، ومعلومة أسبابه!
كان الفلسطينيون أسرع وأحرص الناس على التنديد بحركة التآمر. فمن جهة، هم في الضفة، متداخلون اجتماعيا مع الأردن، بل إن جزءا معتبرا منهم يحمل الجنسية الأردنية ولا يخرج من الضفة بجواز سفر فلسطيني، وإنما بتصاريح إسرائيلية تصدر لمواطنين أردنيين مقيمين في الأراضي الفلسطينية، ويدخلون إلى الضفة الشرقية بجوازات سفرهم الأردنية. ولا يُستثنى من ذلك الكثير من الوزراء والعناصر من كبار مسؤولي السلطة. لذا، مثلما كانت لدول المنطقة مصلحتها في استقرار الأردن، كانت للفلسطينيين مصلحة أكبر، بحكم إرث مرير يُراد محوه نهائيا، ومصالح اقتصادية ـ اجتماعية مثلما أسلفنا.
ولم تختلف ردود الأفعال في الإقليم والعالم عن رد الفعل الفلسطيني، لأن جميع دول الإقليم تعاني من هشاشة الاستقرار أو من فقدانه. لكن ما يدعو إلى السخرية أن الجهالة عند مجموعة من موالي رئيس السلطة الفلسطينية حاولت الإيحاء بأن دحلان وراء ذلك الحدث. فقد اعتادوا على اتهام النائب الفلسطيني بأنه وراء كل إعصار، قبل أن يعرفوا وجهته. ولكي يكون للادعاء ما يكفي من المفردات، جرى الزج باسم دولة الإمارات لكي يتهم دحلان أو الزج باسم هذا الأخير لكي تُتهم الأولى، بينما التحقيقات هي التي من شأنها جعلهم في موضع التندر. ويبدو أن البعض نبه إلى عنصر الغباء في مثل هذا الإيحاء الذي لا تبرره خصومة.
المُحرج أن أسباب ما حدث في الأردن لا تخرج عن العوامل الأردنية البحتة، وهذا الذي يسهّل الوصول إلى حل أردني يطوي هذه الصفحة التي أعلن عن بدايات طيّها بتدخل من الأمير الحسن بن طلال، عم الملك وعم الأمير.
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It