ardanlendeelitkufaruessvtr

ثقافة التشهير.. مكارثية شعبوية جديدة

بقلم حميد زناز نيسان/أبريل 15, 2021 277

 

ثقافة التشهير.. مكارثية شعبوية جديدة

حميد زناز

نحن أمام جموع افتراضية نصّبت نفسها قضاء ذاتيا يحكم على الأشخاص انطلاقا من التقدير العام للمجموعة الغاضبة ودون إجراءات قانونية ولا أيّ سبب معقول.
حركة احتجاجية مناهضة للتحرش
ما أهداف موجة التشهير العنيفة التي تجتاح الولايات المتحدة وعلى الخصوص جامعاتها ومدارسها منذ مدة والتي تتخذ من مواقع التواصل الاجتماعي مطية لضرب كل من يرى فيه جنودها عدوا للتغيير نحو التقدم وذلك باسم عالم آخر أفضل مما هو كائن اليوم؟
بدأت “ثقافة التشهير” تتفشى وتضرب حتى في المجتمعات الأوروبية، خاصة بعد الاحتجاجات الكبيرة التي حدثت إثر مقتل الرجل الأسود جورج فلويد من قبل الشرطة الأميركية يوم الـ25 من مايو 2020 والذي اعتبرته حركة “حياة السود مهمة” عن حق عملا عنصريا.
بات أفراد وجماعات اعتبرت أقوالها أو أفعالها إشكالية أو غير مناسبة تحت رحمة التنديد الشديد والفضح الممنهج على وسائل التواصل الاجتماعي وحتى في الواقع أحيانا. والهدف هو نبذ كل من لا يلتزم بما يسمى “الصوابية السياسية”، بمعنى الانصياع للفكر الغالب. وفي الحقيقة ما نراه هو عودة إلى أسلوب ديني متطرف قديم متمثل في الطرد من الجماعة والتشويه. ويمكن أن تكون قصة كل من ابن رشد وسبينوزا المأساويتين خير مثال على ذلك.
محاكم تفتيش شعبية افتراضية ولكنها تصيب من حاكمته وقد تقتله معنويا وأحيانا حتى جسديا. يوم الـ23 من شهر يوليو الماضي انتحر بروفيسور علم الإجرام مايك أدامس، الأستاذ بجامعة ويلمنغتون في كارولاينا الشمالية بعدما تعرض لحملة تحرش وتهديد على المواقع الاجتماعية جراء سخريته اللاذعة من أفكار أهل زمن التفتيش الجدد وعدم امتثاله لثقافة تكميم أفواه المخالفين. كان من المناهضين للإجهاض والحركة النسوية المتطرفة، ذلك الموقف الذي جلب له سخط جحافل مواقع التواصل الاجتماعي وحركة “مي تو” وعنفهم. وقد تم اتهامه بمعاداة النساء والعنصرية وأذعنت جامعته للذين أرادوا إسكات صوته وفصله من الجامعة عن طريق العرائض وإحالته إلى تقاعد مسبق وهو في الخامسة والخمسين من العمر رغم الخسائر المالية التي تكبدتها جراء ذلك.
لقد وصل الأمر في سان فرانسيسكو إلى التفكير في إعادة تسمية المدارس العمومية بهدف حذف أسماء بعض الشخصيات التاريخية الأميركية التي يفترض أنه كان لها علاقة بالعبودية والقمع والعنصرية مثل أبراهام لينكولن، جورج واشنطن، ديفيس جيفيرسون وغيرهم. ولم تسلم حتى السيمفونية الخامسة للموسيقار بتهوفن التي اعتبرت نقلة نخبوية للموسيقى الكلاسيكية والتي هي أساسا في رأي هؤلاء “الأنبياء الجدد” رمز لتفوق الرجل الأبيض غير المثلي. ولم تسلم بريطانيا من التأثر بذلك وحطمت تماثيل شخصيات تاريخية ولا تزال جماهير الإنترنت في المملكة تطالب بالمزيد.
تعيش الولايات المتحدة ومعها بعض البلدان الأوروبية كفرنسا حربا أيديولوجية، فكأنما هي دخلت إلى شكل من أشكال التوتاليتارية الجماهيرية التي تطارد حرية الكلمة وتعمل على مراقبة الناس عبر الإنترنت ومعاقبة الذين يظهرون شخصياتهم الحقيقية واختلافهم.
في الـ19 من يناير الماضي نشر رسام الكاريكاتير الفرنسي كزافييه غورس رسما في جريدة لوموند الفرنسية اعتبره بعض حراس الشبكة العنكبوتية رسما يسخر من آلام ضحايا نكاح المحارم وكارها للجنس العابر. ونتيجة لذلك الضغط الافتراضي لم تتأخر مديرة الجريدة الباريسية الشهيرة من تقديم اعتذارها قائلة بأن هذا الرسم لم يكن ينبغي أن ينشر، وهو ما أغضب الرسام وجعله يغادر الجريدة بعد 19 سنة من الخدمة. جريدة لوموند تناست أنها ترجمت وتبنت العريضة التي نشرتها مجلة هاربرز التي وقعها 153 مثقفا وفنانا نددوا فيها باللاتسامح مع الآراء المخالفة وبثقافة التشهير والعوائق التي تضعها أمام انتشار الأفكار والنقاش الحر.
نحن أمام جموع افتراضية نصّبت نفسها قضاء ذاتيا يحكم على الأشخاص انطلاقا من التقدير العام للمجموعة الغاضبة ودون إجراءات قانونية ولا أيّ سبب معقول. قضاة افتراضيون بالآلاف يوجهون سهامهم نحو شخص يعتقدون أنه قال ما يسيء أو تصرف ضد الأخلاق أو المساواة. وقد يمس الأمر هيئة أو شركة أو حتى دولة. وبين ليلة وضحاها يجد الشخص نفسه مقاطعا فلا تشاهد أعماله إن كان فنانا ولا تشترى منتوجاته إن كان صناعيا وهكذا.
لقد شجع الحزب الديمقراطي في الولايات المتحدة بطرق عديدة هذا الاتجاه، واستغل أصواته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، واتهم الإعلام الذي يدور في فلكه أن كل من يناهض هذه “المكارثية” الجديدة هو من أنصار دونالد ترامب. وقد يكون لهذا التقارب بين الديمقراطيين والإقصائيين تأثير قد يكون كارثيا على حرية الرأي والإعلام خلال عهدة جو بايدن.
استغل الإسلاميون الفرصة وتسللوا بمباركة اليسار المتطرف المتحكم في الظاهرة وشنوا حملات تشهير ضد الفرنسيين من أصول عربية الذين يقاومونهم فاتهموهم بالكفر ومعاداة الإسلام وحتى التهديد بالقتل، كما هو الشأن مع الصحافية زينب الغزوي والصحافي محمد سيفاوي.
يدعي الممتهنون لثقافة الإلغاء والطرد والنبذ أنهم منشغلون بمناهضة الظلم الاجتماعي والاقتصادي والجنسي والعرقي ويطلقون على أنفسهم اسم “وييك”. وكذلك أطلق الإسلاميون على أنفسهم تسمية “أهل الصحوة” في البداية، ونحن نعرف اليوم إلى أين أوصلتنا صحوتهم.
كاتب جزائري مقيم في فرنسا

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It