ardanlendeelitkufaruessvtr

شوقاً إلى النبي

بقلم رباح ال جعفر نيسان/أبريل 21, 2021 318

شوقاً إلى النبي

رباح ال جعفر

‏في الطريق إلى المدينة المنورة لا تستطيع أن تكون إلا مئذنة، أو نجمة في سماء، أو حمامة بيضاء في صحن المسجد النبوي.. ولشدة الشوق كأنك تمشي على الأرض ولا تمشي، أو تطير في السماء وأنت في مكانك.
‏فما سرّ هذه المدينة التي هواؤها شفاء وماؤها شفاء، وترابها وغبارها أيضاً. وتمرها وعجوتها شفاء، وفي ثمرها دعاء، وعطرها طيّب، وريحها مسك.. وفيها روضة من رياض الجنة، وسماؤها صافية عميقة، والنجوم أكثر اقتراباً من الأرض، والوجوه سمحة، وأهلها طيّبون، وكل شيء يبعث على الطمأنينة، فلا غربة ولا غريب.. والنبي صلى الله عليه وسلم دعا للمدينة أن يبارك الله فيها وفي أهلها: «اللهمّ بارك لنا في مدينتنا».
‏ما الذي يضيء في هذه البلدة أكثر من جميع مدن العالم؟ ما الذي جعل هواءها نسيماً؟ والحنين إليها جارفاً؟ والشوق قديماً؟ والذكريات عزيزة؟. ما الذي ملأها عطراً؟ ما هذه الفيوضات والبركات؟ ما هذا السناءُ وهذا البهاء؟ ويا سلام على النداوة في الوجوه؟ فكلّ الأشياء مفرداتٌ من نور، وكل صوت له صدى إلا في مدينة رسول الله فلا يرتفع صوت على صوت النبي.
‏وفي كتب السيرة أن للمدينة المنورة أكثر من مائة اسم فهي: المحبورة، والمجبورة، والمرحومة، والمحبَّبة، والمُحَبَّة، والمحبوبة، والمرزوقة، والمباركة، والمختارة، والشافية، ويثرب، ودار الأبرار، وقرية الأنصار، وقبّة الإسلام، والعاصمة، والقاصمة، والعراء، والغراء، وهي طابة، وطبايا، وطيبة، وفي الحديث الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أمرني أن أسمّي المدينة طابة».
‏لقد قرأت «عبقرية محمد» للعقاد، و»على هامش السيرة» لطه حسين، و»حياة محمد» للدكتور محمد حسين هيكل، و»محمد» لتوفيق الحكيم، و»السيرة النبوية» لابن هشام، و»فقه السيرة» لمحمد الغزالي.. قرأت عشرات الكتب التي كتبها المؤرخون والمستشرقون في السيرة والمغازي من ابن كثير إلى كارل بروكلمان. لكن ما رأيت وشعرت وأنا أقف في مقام النبي غير ما قرأت في هذه الكتب تماماً. عرفت ما لم أكن أعرف، وفهمت ما لم أكن أفهم.
‏هذه ليست صورة مجازية ولا استعارة لغوية. ففي كل مرة أسير إلى المسجد النبوي أشعر أنني تحررت من أحمال ثقيلة. كأنني نزعت عن قلبي جبالاً من هموم. أشعر أنني أخفّ وزناً كقطرة ندى على جناح طائر. كأن روحاً أخرى قد حلّت في بدني. ورأيت من جاء إلى مدينة النبي للاستشفاء الروحي. لقد شفّهم الوجدان وشفاهم الإيمان وأبكاهم الحرمان. ومنهم من جاء ليموت في جواره.. فماذا يعني هذا؟!.
‏يعني أن العمر قصير. خطوة قصيرة في طريق طويل.. وأنا أسير في طريقي إلى المسجد النبوي خطرت في بالي قصيدة أستاذ العشق ابن حزم يقول فيها:
‏إذا كتَمَ المشغوفُ سرّ ضلوعهِ
‏فإنّ دموعَ العينِ تبدي وتَفضحُ
‏كان المؤذن ينادي إلى صلاة الفجر. وفي المدينة المنورة تسمع صوت المؤذن يرتفع من كل اتجاه. من السماء ومن الأرض. لا تعرف من المنادي ومن المستمع؟ فكل شيء من حولك أذان وصلاة وترتيل. والزحام شديد والناس ألوف. مئات الألوف. لا نهاية للناس أمامك ووراءك. من أين يأتي هذا الطوفان من الناس؟. كل واحد في حاله وحاله تحت قدمه. إنه الشوق والشوق أكبر من الحنين. وأغمضت عيني عن كل الذين أحبهم وأنا أبحث جوار قبره الشريف عن مكان يتسع لشخص واحد، لقلب واحد، فأناديه في أعماق نفسي: يا رسول الله.. متى اللقاء؟.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It