ardanlendeelitkufaruessvtr

الكوارث قد، وقد لا، تصنع الرجال

بقلم إبراهيم الزبيدي نيسان/أبريل 30, 2021 242

 

الكوارث قد، وقد لا، تصنع الرجال

إبراهيم الزبيدي

الكاظمي أخطأ بحق نفسه، وبحق شعبه، حين قبل بأن يظلمه الحشديون وخصومه.
وعود كثيرة للعراقيين لم تحقق
خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة دعا رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي وزارة الداخلية إلى “التعامل بحزم مع كل من يسيء للأمن الداخلي ويعرّض حياة المواطنين للخطر”.
وقال “لن أسمح بأن تتحول المواقع الوزارية إلى ماكينات انتخابية، وأرفض رفضا قاطعا أيّ استغلال لإمكانيات الدولة من قبل المرشحين”.
وهذا كلام جميل، كان ممكنا اعتباره أمرا نافذا من رئيس حازم وقويّ وشجاع سيجعل الوزراء ومعاونيهم وأصحاب الأحزاب ومسلحيهم يَعدّون إلى العشرة قبل أن يحاولوا استغفال الرئيس لو كان الكاظمي، وهو رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة، من أول يوم جلس فيه على كرسي الرئاسة، قد رفع عصاه بحميّة وشهامة وجرأة وشجاعة، وضرب فأوجع أول رأس، كبيرا كان أو صغيرا، تطاول على مقام الرئاسة، أو هدد السيد الرئيس بقطع أذنه، أو طالبه بـ”التغليس” عما يفعله السلاح الحشدي بالبلاد والعباد.
ولكنْ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. فالكاظمي، بطبعه، ناعم ورقيق لا يحب المعارك وما فيها من وجع رأس. فقد أخطأ بحق نفسه، وبحق شعبه، حين قبل بأن يظلمه الحشديون وخصومهم فيُجلسوه على كرسي نوري السعيد وفاضل الجمالي وصالح جبر وتوفيق السويدي وعبدالرحمن البزاز وطاهر يحيى وناجي طالب وأخيرا صدام حسين، في زمن أسوأ من كل ما مرَّ من أزمنة، وفي وطن محترق تتناهبه العصابات والاحتلالات وأجهزة المخابرات العدوة والصديقة، وعلى الذي يقبل التحدي ويرضى بتحمل مسؤولية القيادة العليا فيه أن يكون الشهيد الحي، بحق وحقيق، وعنترة بن شداد والإسكندر المقودني وهتلر وموسوليني على القاتل والحرامي والعميل، والحمل الوديع الرقيق اللطيف المسامح الكريم نيلسون مانديلا مع القتيل.
وكثيرا ما تحدّث المؤرخون عن القائد الذي تأتيه القيادة وهي لا تصلح له، وهو لا يصلح لها، وعن الآخر الذي تمشي إليه مشيا وهي لا تصلح إلا له ولا يصلح إلا لها.
والمبدأ الثابت الذي لم يتغير، ولن يتغير، هو أن الزعامة تولد مع البعض من الولادة، لا تُصَّنع ولا ُتوَّرث ولا تُشترى، ولا يتعلمها الطالب في الجامعة فيصبح مجازا بالعمل كزعيم.
والكاظمي واحد من الذين جاءتهم الرئاسة بالمصادفة والتمشية. ورغم ذلك فقد كان في إمكانه أن يستغل هذه الفرصة الذهبية التي لا تُهدى لواحد من عشرات الملايين فيبدأ من الصفر، ويصنع لنفسه زعامة، ويُدخل نفسه سجلَّ الخالدين، لو أجاد استخدام وسائل القوة العديدة المتاحة الملقاة بين يديه لتغيير الزمن والتاريخ، ولكنه لم يفعل.
ففي أعقاب كل مجزرة أو كارثة حدثت في أيام رئاسته، وما أكثرها، كان في إمكانه أن يمسك بالحراك الشعبي الغاضب، بيد، وباليد الأخرى يستنهض الروح الانضباطية الوطنية في ضباط القوات المسلحة وجنودها، فيحاصر السلاح المنفلت، ويلقي القبض على أول قتلة المتظاهرين، وهو يعرفهم واحدا واحدا، ثم يباشر، بعد ذلك، مسيرة القلع والشلع، فيداهم قصر أكبر رأس من رؤوس المختلسين، فيخاف الكبار والصغار، وتهدأ العاصفة، وتعود هيبة الدولة والقانون. ولكنه اختار الطريق الآخر. فبرَّأ عادل عبدالمهدي من دماء شهداء انتفاضة تشرين ومن الفساد والعمالة، ثم تعمد زيادة السلاح المنفلت في مقر قيادته، ورمى ثيابه المدنية وارتدى لباس المجاهدين أرباب الكواتم والهراوات والعصيّ والرصاص الحي، فحكم على نفسه وعلى وزارته بانعدام الوزن، وقلة الحيلة وضياع الاحترام، وحكم على شعبه العراقي الذي تأمّل فيه خيرا بالمزيد من القتل والحرق والاختلاس.
كثيرا ما تحدث المؤرخون عن القائد الذي تأتيه القيادة وهي لا تصلح له وهو لا يصلح لها وعن قائد تمشي إليه مشيا وهي لا تصلح إلا له ولا يصلح إلا لها
باختصار شديد، إن وعوده كثيرة وكبيرة، وإنجازاتِه صغيرة ونزيرة. فمنذ يوم حصوله على ثقة البرلمان في مايو من العام الماضي وحتى يوم حريق مستشفى ابن الخطيب، قبل أيام، وتعهداتُه تتلاحق دون تنفيذ، حتى بلغت لجانه التحقيقية التي دأب على تشكيلها في أعقاب كل مجزرة أو كارثة أو مصيبة، ودون نتيجة، أكثر من مئة، والحبل على الجرار.
ألم يتعهد بكشف قتلة المتظاهرين في عهد سلفه عادل عبدالمهدي؟ فهل كشف عن واحدٍ منهم، وهو يعرفهم جيدا من أيام عمله رئيسا لجهاز المخابرات؟
ثم حين توالت اغتيالات المتظاهرين واختطاف الناشطين والناشطات، في عهده غير السعيد، واستمر الاعتقال الكيفي والتغييب، هل أعطى الضحايا وأسر الشهداء غير الكلام الكثير؟
لقد وعد بمنع الميليشيات الولائية من قصف السفارة الأميركية والمنطقة الخضراء ومطار بغداد، وحين ألقت قوات مكافحة الإرهاب القبض، بالجرم المشهود مع أدوات الجريمة، على أفراد عصابة خلية الكاتيوشا المرتبطة بميليشيا كتائب حزب الله بتاريخ الـ26 من يونيو، وتجرأت كتائب حزب الله فاقتحمت المنطقة الخضراء وحاصرت مبنى رئاسة الوزراء، وهدده زعيمُها بقطع أذنه إن لم يطلق سراحهم فورا، ألم يكافئه الرئيس بإطلاق سراح رفاقه المعتقلين؟
ثم حدد موعد الانتخابات المبكّرة في يونيو القادم، ووعد بتهيئة مناخ سليم ومعافى لإجرائها بتعديل قانون الانتخاب وتغيير أسس عمل المفوضية المستقلة للانتخابات وفرض الإشراف الدولي والمنظمات الحقوقية الدولية والإقليمية والمحلية لضمان نزاهتها، ألم يتراجع ويقبل بتأخيرها، وألم يوافق على قانون انتخابات جديد لا يحقق الحد الأدنى من مطالب المتظاهرين؟
ثم وعد بمعاقبة المسؤولين عن كوارث الموصل ونينوى والأنبار، فماذا فعل؟
والآن ندخل إلى صلب ملف رئاسة الوزراء في العراق، منذ 2003 وحتى اليوم، ونتحدث بصراحة ووضوح.
فمن أيام وزارة إياد علاوي المؤقتة وحتى نهاية عادل عبدالمهدي لم يجرؤ أيّ رئيس وزراء عراقي على فعل أكثر مما هو مسموح له بفعله من قبل السفارتين الحاكمتين الإيرانية والأميركية، خلافا لما هو مرئي وظاهر وموهوم.
فقد جرت العادة، على أن يصبح ترحيل الرئيس ووزارته أمرا لازما وحاسما حين يفشل في ترضية إحدى السفارتين، وهذا ما جرى لإبراهيم الجعفري، ثم لنوري المالكي، ثم لحيدر العبادي، وأخيرا لعادل عبدالمهدي.
مصطفى الكاظمي يعرف ذلك، وهو ما يفسر إعلانه الأخير عن رغبته في اعتزال السياسة، والخروج من السلطة خالي الوفاض، لا ضرر ولا ضرار، سليما ومعافى، لم يقتل أحداً ولم يقتله أحد، وهو أعقل العاقلين.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It