طباعة

الغريب ووصال الحبيب

بقلم رباح آل جعفر أيار 05, 2021 207

الغريب ووصال الحبيب

رباح آل جعفر

‏إنهم يبكون من أشواقهم إلى الحبيب. ويبكون بقلوبهم على لقاء مع الحبيب. ويبكون في مقام الحبيب. ويبكون كلما فاضت أرواحهم فذكروا أطيافاً من نور أنوار الحبيب:
أدِرْ ذكرَ مَن أهوى ولو بملامِ
‏فإنّ أحاديثَ الحبيبِ مُدامي
‏وفي حضرة الحبيب والغريب يقول أبو حيّان التوحيدي: سألتني أن أذكر لك الغريب ومحنته، وأصف لك الغربة وعجائبها. وقد قيل: الغريب من جَفاهُ الحبيب. وأنا أقول: بل الغريب من واصله الحبيب، بل الغريب من تغافل عنه الرّقيب، بل الغريب من نُودي من قريب، بل الغريب مَن في غربته غريب.
‏في السنوات الأخيرة من حياته التقيت العارف بالله العالم الربّاني المتصوف عبد الكريم بيارة المدرس وقد بلغ من العمر مائة وأربعة أعوام. كان يمضي يومه منقطعاً في خلوة مع الله يصل الليل بالنهار في الصلاة والدعاء. وكان يقول لي كلما تحدثت إليه إنه منشغل بالتوبة وحسن العاقبة.
‏وفي واحدة من انشغالاته. قطعت عليه خلوته وسألته: ماذا وجدت في هذه الدنيا يا مولانا؟ فأجابني بقول الشاعر لبيد بن ربيعة:
‏ألا كلّ شيء ما خلا اللهَ باطلُ
‏وكلّ نعيـــمٍ لا محالةَ زائــــلُ
‏كان الشيخ المدرس يعيش في تلك الأيام شبه وحشة، أو شبه غربة في مجتمع انقطعت فروعه عن أصوله، وأوائله عن أواخره، والأحفاد عن ميراثهم، والدين عن جوهره. شعرت يومها أننا التقينا لقاء غرباء!.
‏وأذكر في ليلة من ليالي دمشق كنّا مدعوين إلى مجلس الشيخ محمد سعيد البوطي وكان مجلساً حافلاً بالأذكار وبالأشعار وبالغرباء أيضاً، الذين جاءوا من كل مكان. وكان الحديث حلواً ممتعاً فلم نشعر بالزمان ولا بالمكان. ونحن نسمع ونتأمل ويسعدنا ما نرى من لمحات وفيوضات.
‏توالى علينا أهل الشام بقراءة الشعر فبدأوا ينشدون علينا بصوت جميل من «بردة» البوصيري بما يطيب الخاطر ويسعف الحال:
‏يا لائمي في الهـوى العذري معـــــذرةً
‏منّــي إليــكَ ولــو أنصفتَ لم تَلــــــــــمِ
‏والبوصيري شاعر متصوف من أهل مصر كان مشلولاً وكان غريباً.. وقيل إنه رأى في نومه النبيّ صلى الله عليه وسلم ولَمَسَه بيده الكريمة، فنهض معافى ليقول: إن رسول الله ألقى عليه «بردة».
‏وقبل البوصيري كان هناك سلطان العاشقين ابن الفارض يتغنّى بحب النبي صلى الله عليه وسلم:
‏يا لائماً لامني في حبّهم سَفَهاً
‏كفّ الملامَ فلو أحببتَ لم تَـلُمِ
‏ثم جاء من بعده أميرُ الشعر العربي أحمد شوقي ليقولَ في نهج البردة:
‏يا لائمي في هواه والهوى قدرٌ
‏لو شفّكَ الوجدُ لم تعذل ولم تلمِ
‏أستعيد هذه الذكريات المتناثرة عفو الخاطر ونحن نتنسّم عطر ليالي القدر. مرّت علينا السنون الثقال. كبرت بنا الهموم واجتاحتنا الأحزان. كل واحد منّا يريد أن تتغيّر أقداره في ليلة القدر. وفي قلبه أمنية مكبوتة لا تستطيع يده أن تصل إليها. فيكتبها في رسالة إلى السماء: يا رب.
‏ما أعظمك. وما أحكمك. وما أعدلك!.

قيم الموضوع
(0 أصوات)