ardanlendeelitkufaruessvtr

غاب عباس فحضرت صواريخ حماس

 

غاب عباس فحضرت صواريخ حماس

علي الصراف

دحلان والقدوة والبرغوثي وغيرهم كانوا سيكونون أسعد حالا لو أن الرئيس عباس انتهز الفرصة لكي يتصرف كرئيس حاضر، لا كرئيس غائب؛ رئيس يتصدر المشهد السياسي ضد الاستيطان ودفاعا عن حقوق أبناء شعبه في القدس، لا أن يكتفي ببيان غاضب وفارغ.
أين السلطة الفلسطينية مما يجري في غزة
أصلا، لو كانت هناك مؤسسة سلطة وطنية فلسطينية تنهض بمسؤولياتها، وتحارب دفاعا عن شعبها، وتتقدم هي الصفوف، لما كان الانقلاب ضروريا في الحراك الشعبي من حراك مقاومة مدنية إلى حراك صواريخ.
انتقاد صواريخ حماس، في ظل الحاجة إلى رد فعل، ليس وصفة ملائمة لمن يخشى العواقب العاطفية التي يمكن أن تنقلب عليه، لتخوّنه.
ولكن ما رأيكم بحقيقة أن التفاهمات الفلسطينية عشية الانتخابات كانت تعني أن يخضع السلاح الفلسطيني لسلطة واحدة، هي التي تتخذ القرار باستخدامه. فلما قرر الرئيس محمود عباس أن يلغي الانتخابات، تحت ذريعة مشاركة القدس، فقد كان قرر، تلقائيا، إلغاء هذا الجانب من التفاهمات، مع غيرها طبعا. فعاد السلاح ليخضع لفاعلية الغرائز، لا لفاعلية السياسة.
السبب هو أن السياسة نفسها أُلغيت. حتى لم يجد عباس ما يقوله على امتداد عدة أيام من المواجهة بين مواطني القدس وبين قوات الاحتلال والمستوطنين. فلما نطق، فقد نطق بالفراغ. بدا متحمسا وغاضبا، ولكنه لم يقل شيئا. كرر القول “حلّوا عن صدورنا”، بينما كان يتعين لقائد لا يقود الضفتين أن يحل هو عن صدور الفلسطينيين أولا بعد كل الأعوام التي قضاها من دون انتخابات. وعلى أيّ حال، لم يستجب له أحد. ولعله لم يفهم السبب.
الصمت كان لافتا، بل وكان محرجا حتى للذين يعارضون بقاء عباس في السلطة. على الأقل لأن القيمة الرمزية من وجود سلطة تمثل شعبها، كانت تتطلب تحركا يقفز إلى مربع الأخذ بالمسؤولية. ولكن هذا لم يحصل.
قسوة الاحتلال على أهالي حي الشيخ جراح، أظهرت أن السلطة الفلسطينية ليست غائبة فحسب، ولكنها كانت تخبط رأسها بالحيط أسفا على الحراك الذي ظل يتفاقم، وهي لا تعرف ماذا تفعل حياله، أو كيف تمسك خيوط المبادرة من أجل تمثيل المظالم التي تهدد أسر هذا الحي، وغيرهم من أبناء القدس الشرقية ككل.
رد الفعل كان مطلوبا بشدة. ولكن في حالة الفراغ التي تمارسها سلطة الرئيس عباس، لم يبق هناك إلا رد الفعل غير المناسب. فانطلقت الصواريخ، لكي تكسب فوزا سياسيا، شاء الرئيس عباس أن يخسره.
لا بد للمرء أن يشعر بالمرارة على الضحايا الذين سقطوا خلال هذه المواجهة، وعلى الأسر التي عادت لتتشرد أو تسقط سقوف منازلها على رؤوسها. ولكن يتوجّب الأسف أيضا على معركة تكرّر الخسارة نفسها.
نحن في العادة نستهين بما يدفعه الفلسطينيون من ثمن. البطولات الهوائية تعوضنا عنهم! ولكن هذا شيء ظالم قطعا. ليست التضحيات بحد ذاتها هي ما يؤلم. قل: إن الفلسطينيين اعتادوا على أن يقدموها وكأنها شرط لوجودهم. لا بأس. ولكن تكرار الهزيمة، بانفعالات الغرائز هي ما يجرح. بعبارة أخرى، إذا كان القدر يعني 100 ألف شهيد آخر، فلا توجد مشكلة. ولكن عندما يمضي الأمر من دون نصر أو خطوة على طريق النصر، فلن يعدو الأمر كونه تكديس جثث. وهذا شيء ظالم قطعا.
لقد ترافق حراك القدس، مع حراك فلسطينيي 48 أيضا. المواجهات في “الداخل” أوحت للمسؤولين الإسرائيليين بأنهم يقفون، للمرة الأولى أمام “حرب أهلية”. هذا منعطف قتلته صواريخ حماس. تحوّل التمرد الشعبي الفلسطيني في أراضي 48 تضامنا مع أهالي القدس، إلى عمل وكأنه يتخذ من صواريخ حماس تشجيعا. ليوفر بذلك التبرير لقمعه من دون تبعات سياسية، ولا تكاليف. وبدلا من أن تعم مشاعر العار في إسرائيل حيال قمع المدنيين ممن يحملون جنسية إسرائيلية، فقد عمّت مشاعر رفع الأعلام على الشرفات وفي كل خلفية يتحدث من أمامها مراسلو محطات التلفزيون الإسرائيلي.
الانتفاضة المدنية كان يحسن أن تظل مدنية. وغزة كان بوسعها أن تساهم في هذه الانتفاضة بتوفير كل أشكال الدعم والمساندة غير المسلحة، وبالعودة إلى الحجارة. وحينها كان يمكن لسلطة فلسطينية لا تتصرف كخيال مآتة أن تنهض بمسؤولية المواجهة السياسية مع سلطات الاحتلال. ومن بين ذلك أن تمارس انتفاضتها هي على التنسيق الأمني (“المقدس” لدى الرئيس عباس) بل وحتى على وجودها كسلطة، تضر في أوقات الشدة، كما لا تنفع في غيرها أيضا.
لا أحد يمكنه أن ينتقد صواريخ حماس، ساعة الحاجة إلى رد فعل، ولو كان أعمى. ولكن الحساب حساب في النهاية.
إسرائيل، بالمناسبة، كان يمكن أن تأتي ركضا إلى طاولة البحث عن سلام، لو تظافرت الجهود الفلسطينية والإقليمية والدولية، من أجل وقف جرائم الاستيطان وأعمال هدم المنازل والتهجير. ولكن من أين يأتي ذلك التظافر المنشود إذا كانت لا توجد قيادة فلسطينية تمتلك القدرة على القيادة والتوجيه فعلا؟
لقد اختار الرئيس عباس أن يعيش أسوأ أيامه وهو يرى شعبه لا ينظر إليه ولا ينتظر منه شيئا. بينما قيادي مثل محمد دحلان، لا يملك عشر معشار ما يملكه عباس من سلطة أو نفوذ، بدا صوت سلطة معنوية قادرة على أن تحمل القدس على كف، وأمان غزة على الكف الأخرى. والمسألة إنما هي مسألة ما إذا كانت لديك رؤية واضحة لما يتعين توظيفه من أجل خدمة القضية الوطنية.
حضور دحلان لم يُمله غياب السلطة، ولا ارتباك الفاعلين السياسيين الآخرين، ولا التغييب الإجباري لغيرهم، لأنه جزء من المشهد الذي سعى عباس لشطبه، كما فعل مع ناصر القدوة. ولكن دحلان والقدوة ومروان البرغوثي وغيرهم كانوا سيكونون أسعد حالا لو أن الرئيس عباس انتهز الفرصة لكي يتصرف كرئيس حاضر، لا كرئيس غائب؛ رئيس يتصدر المشهد السياسي ضد الاستيطان ودفاعا عن حقوق أبناء شعبه في القدس، لا أن يكتفي ببيان غاضب وفارغ.
ما كانت فصائل السلاح في غزة في حاجة له، في المقابل، هو أن تتصرف بالسلاح عندما يكون مبعث نصر لا سببا لهزيمة. يكون ذلك عندما تخاض المعركة من أجل القدس، كما يقترحها أهل القدس. بمعنى آخر: حراك مدني يعضد حراكا مدنيا. لا حراك مدني تقتله الصواريخ. وككل معركة، يصح أن تُحصي ولو بعض نتائجها السياسية والأمنية.
معركة الصواريخ أعادت بنيامين نتنياهو إلى السلطة.
“الحرب الأهلية” انقلبت وبالا على “الداخل” فوق الوبال العنصري الذي هو فيه.
غزة عادت لتجرب الدمار على مستوى أشد.
تجربة الصواريخ نجحت في الوصول إلى أماكن أبعد. قتلت أقل، ولم تسعف نصرا.
الحراك المدني اختلط، لتختلط معه كل الأوراق.
الإسرائيليون، نزعوا الأقنعة، ورفعوا الأعلام.
سلطة الرئيس عباس ماتت في أحلك الظروف.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It