ardanlendeelitkufaruessvtr

خيارات دول الخليج بعد التواطؤ الأميركي مع إيران

 

خيارات دول الخليج بعد التواطؤ الأميركي مع إيران

علي الصراف

إدارة الرئيس بايدن وضعت الشراكة الاستراتيجية مع السعودية على الرف، وجعل بايدن المدفوع بكراهيته الشخصية لسلفه من الانقلاب على سياسات ترامب معياره الأساس إن لم يكن الوحيد لكل سياساته الخارجية.
التحرر من الشراكة السخيفة
لا يحسن التسرّع في الحكم على التوجه السعودي نحو فتح صفحة جديدة مع إيران. السعودية قوة إقليمية كبيرة وتترتب عليها مسؤوليات. كما أنها قوة كبيرة مع نفسها أيضا. وهي لم تألف أن تجد نفسها من دون حليف دولي موثوق.
الدخول في مواجهة مبكرة مع إيران، من دون سند دولي حقيقي، سوف لا يعني إلا كارثة عسكرية واقتصادية كبرى. لقد كان يفترض بهذه المواجهة أن تتم بالشراكة مع الولايات المتحدة. لأسباب محض تقنية على الأقل. حرب من دون أقمار اصطناعية، على سبيل المثال، لم تعد تجدي نفعا. ولكن الولايات المتحدة اختارت أن تكسب نصف الهزيمة مع إيران لكي تخرج من المنطقة بعقود من هنا وعقود من هناك. وبالنسبة إلى واشنطن، فذلك هو النصف الآخر.
أثبتت السنوات الخمس الماضية، منذ اندلاع الحرب في اليمن، أن السعودية مكشوفة دفاعيا. الصواريخ التي ترسلها إيران لجماعة الحوثي أثبتت ذلك. والهجوم على منشآت أرامكو زاد عليه. وصمت السعودية على هذا الهجوم بالذات أثبت أن الانكشاف أكثر من مجرد انكشاف أمني.
ماذا تملك السعودية في مواجهة إيران من دون الولايات المتحدة؟
لقد وضعت إدارة الرئيس جو بايدن الشراكة الاستراتيجية مع السعودية على الرف. بايدن، المدفوع بكراهيته الشخصية لسلفه، جعل من الانقلاب على سياسات دونالد ترامب معياره الأساس، إن لم يكن الوحيد، لكل سياساته الخارجية. والموقف العدائي تجاه السعودية كان جزءا من فوضوية هذا الانقلاب.
ولكن الولايات المتحدة حتى في عهد ترامب لم تكن ترغب بخوض حرب ضد إيران. لقد كانت تملك القوة لإسقاط نظام الولي الفقيه، إلا أنها لم تملك الرغبة. النظر في التكاليف الاقتصادية لحرب قد تطول، كان واحدا من أكبر الموانع. وعلى هذا الأساس، بقيت العقوبات هي السلاح الوحيد.
ما حصل هو أن أعمال النهب المنظم لموارد العراق تحت أنف الولايات المتحدة أبطل الكثير من فاعلية تلك العقوبات. وظلت إيران هي من يمارس لعبة التهديد بالحرب. ويستطيع المرء الآن أن يقول إن إيران هي التي كسبت لعبة الابتزاز في النهاية.
قصة التصعيد في تخصيب اليورانيوم، وفتح ملف العودة إلى الاتفاق النووي، لم تكن إلا ذريعة من ذرائع التغطية على ما هو أهم. كلا الطرفين كانا يعرفان أنها مجرد لعبة خارج الملعب الحقيقي. لا إيران كانت تستفيد من إنتاج قنبلة نووية، ولا الأميركيون كانوا يخافون منها فعلا. وبرغم كل المبالغات، فإن كلا الطرفين كانا يعرفان أنهما يتعاملان مع تهديد تافه، من أجل إيجاد المبرر لتسوية مع إيران تضمن للولايات المتحدة مصالحها، كما تضمن للولي الفقيه مصالحه.
مصالح الولايات المتحدة هي المال. ومصالح الولي الفقيه هي الهيمنة لإنتاج دول فاشلة جديدة في المنطقة يمكن نهب مواردها. ومثلما كان ذلك هو ما تحقق في العراق، من دون أن تتضرر مصالح الولايات المتحدة، فالسؤال المطروح في واشنطن هو: “ما الذي يمنع أن يتكرر الشيء نفسه في السعودية مثلا؟ وماذا تشكل السعودية، أو أي دولة من دول الخليج، بالنسبة إلينا؟” الجواب كان “لا شيء. هؤلاء الناس لديهم خزائن مال هائلة ويمكن استنزافها، لا أكثر ولا أقل”.
لقد حدث وأن عرفت منطقة الخليج سؤالا مماثلا من قبل: “وماذا تشكل الكويت بالنسبة إلينا؟”، وباقي القصة معروف! فبينما كانت الكويت توشك على شراء 10 في المئة من أسهم بريتيش بتروليوم، وتمتلك احتياطات مالية تزيد على 200 مليار دولار، في أحد أكبر وأول “الصناديق السيادية” في ذلك الوقت، انتهت من بعد “تحريرها” إلى بلد شبه مفلس. إذ تم “تحريرها” تماما، على مرأى العين. وكان من أبرز الشواهد المضحكة على ذلك، أن الطائرات البريطانية قصفت محطة توليد الطاقة الكهربائية الرئيسية في الكويت بعد انسحاب القوات العراقية. فلما اتصل أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد برئيس الوزراء البريطاني جون ميجور ليسأله “لماذا فعلتم ذلك”، قال له “لا تقلق، سنعيد بناءها من جديد”. قال ذلك وعينه على آخر ما بقي في حسابات الكويت لدى باركليز بانك.
هل فهمت الآن، لماذا تنسحب الولايات المتحدة من العراق لتفسح المجال أمام إيران؟ هل فهمت لماذا قررت سحب بطاريات باتريوت من السعودية؟ أو لماذا اتخذت موقفا مهادنا مع الحوثي، رغم كل ما تشكله صواريخ إيران ضد المملكة من تهديدات؟ ولكن، أهم من هذا، هل فهمت لماذا يتم تغطية ذلك بالتهويل من فيلم الرعب النووي؟
لقد كان يمكن لسياسة الضغوط القصوى على إيران أن تتواصل. بل لقد كان يمكن لهذه السياسة أن تشتد من دون الحاجة إلى التورط في حرب واسعة النطاق. ولقد كان يكفي الرد على أي عدوان بمثله، وأن يكون الأمر واضحا لإيران على هذا الأساس. كما كان يمكن وضع ضوابط صارمة تحول دون الانزلاق إلى حرب شاملة، سواء داخل مجلس الأمن الدولي أو بقواعد يتم تحديدها خارجه. ومنها فرض عقوبات تملي على إيران أن تدفع تعويضات عن كل جريمة تُرتكب بصواريخها ضد الضفة الأخرى من الخليج. بل ولقد كان يمكن طرد إيران من العراق أيضا.
العراق عندما اندلعت الانتفاضة الشعبية فيه كان على وشك الإفلاس. بما يعني أنه لم يعد ضرعا حلوبا لأعمال النهب والفساد الإيرانية. وهذا كان يكفي لكي يضع الميليشيات الإيرانية في مواجهة شعب غاضب. كما كان يمكن منع مؤسسات التمويل الدولية من توفير المزيد من القروض لحكومة الميليشيات، بينما الكل يعرف أن الأموال سوف تذهب في النهاية إلى إيران. ولكن الولايات المتحدة اختارت، حتى في عهد الرئيس ترامب، أن تواصل التواطؤ مع إيران. وها هي ميليشياتها تستعد لتكسب الانتخابات المزمعة في أكتوبر المقبل لتقيم حكومة تمتلك شرعية القتل والترويع والفساد. ومن ثم ليصبح العراق محافظة إيرانية بالكامل، من دون قوات أميركية، ولكن من دون أن تتضرر المصالح التجارية الأميركية أيضا.
لقد وضعت الولايات المتحدة نهاية لعلاقة الشراكة الاستراتيجية مع السعودية. ولقد أثبت الرهان على هذه الشراكة أنه رهان فاشل، بينما تكتشف السعودية الآن أنها ليست في وضع يمكنها أن تنخرط في نزاع متفجّر مع إيران.
ماذا يُبقي هذا الوضع للسعودية ودول الخليج الأخرى من خيارات؟
الجواب الأول، هو التحرر من تلك الشراكة السخيفة، التي ثبت أنها غير جديرة بالاحترام على الإطلاق. وكانت مجرد شراكة منافع انتهازية صغيرة للغاية، لا ترقى إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية بالفعل.
الجواب الثاني، هو أن تبني دول مجلس التعاون الخليجي قوة عسكرية مستقلة، قادرة على أن تشكل توازنا عسكريا مثيرا للرعب بالنسبة إلى إيران. ومن بين أبرز الخيارات وأيسرها، بناء قوة صاروخية شديدة الضخامة إلى الحد الذي يكفل القول لإيران إن أي عدوان سيكون يوم زلزال عظيم بالنسبة إلى إيران.
الجواب الثالث، هو اللعب في كل ملعب تمارس فيه إيران دورا، بما في ذلك إيران نفسها. ذلك أن الذي يحاربك برعاع، يفترض أن يفتح لك الطريق نفسه.
كما أن هناك ثلاثة أجوبة تأتي من الاتجاه الآخر: الخذلان والذل والإذعان.
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It