بعد الحرب على غزة بدأ ركوب الموجة

 

بعد الحرب على غزة بدأ ركوب الموجة

عدلي صادق

تصريح الرجوب لن يعود عليه وعلى الرئيس عباس بأي فائدة لا على مستوى الرأي العام ولا على المستوى السياسي ولا على صعيد التطهر من آثام مرحلة طويلة تخللتها كل الانحرافات
ثرثرة فارغة
ربما يكون عضو مركزية عباس وأمين سرها جبريل الرجوب قد أراد ركوب موجة النصر الذي يُوصف في أدق تعبيراته بكونه نصرا مجازيا، بمعنى أنه نتاج فعل عسكري، لم يمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها الأمنية من القصف الكثيف لغزة وما أحدثه من دمار، وما تسببت فيه من خسائر في الأرواح، ربعها من الأطفال. فقد استشعر الرجوب وجماعة الرئيس الفلسطيني أن الرأي العام في بلادهم بات يميل بقوة راجحة إلى المقاومة، وأن حماس حصرا هي التي استفادت من هذا الميل العارم.
وكان لمحاولة ركوب الموجة، طريقان، أحدهما، عبّر عنه حسين الشيخ عضو مركزية عباس، باعتبار “النصر بامتياز” قد تحقق بفضل “صمود وكبرياء رئيس الشعب الفلسطيني، وهو الرئيس محمود عباس”. وبحكم أن ما قاله الشيخ سوف يجلب عليه سخرية مؤكدة، لأن ذهنية الفلسطينيين مازالت تحتفظ بقول عباس أكثر من مرة إنهم يعيشون تحت البسطار الإسرائيلي، وحاول أن يقنعهم بالتسليم لهذه الفرضية؛ فإنهم على قناعة بأن رئيس الفلسطينيين الذي يمتلك كل شيء من السلطة وأدوارها، يفتقد للإحساس بالكبرياء تحديدا، أو لا معنى لأي صمود في أدائه، فضلا عن كونه غير ذي علاقة بـ”النصر” الذي يتحدث عنه كلٌ من الرجوب والشيخ!
حماس شعرت سريعا بأن ما تحقق لغزة، من قدرة على إيلام إسرائيل، يمكن جدا أن يتعرض لعملية إجهاض سياسي، من خلال عودة الأميركيين والإدارة الأميركية إلى لعبة العصا والجزرة
لكن الارتجال في التصريحات، وهو سمة القول عند رموز السلطة الفلسطينية؛ لا يتوافق مع واقع سياقات هؤلاء الرموز، التي باتت مكروهة من قبل الشعب الفلسطيني. صحيح أن الرجوب والشيخ لن يتأخرا في تعليل هذه اللغة للإسرائيليين، طلبا لتغاضيهم عنها باعتبارها عدة الشغل. لكن الصحيح أيضا، أن ضآلة الوعي السياسي هي التي تجعل من يحاولون ركوب الموجة عاجزين عن التحدث بلغة أكثر ذكاء، قد تساعدهم على إقناع جزء من الفلسطينيين بأن ما يقولونه فيه شيء من الحكمة. كان بمقدورهم أن يحددوا عدة عناصر قبل أن يندفعوا إلى الكلام، وأن تشمل هذه العناصر الإشارة إلى الاستفزازات والتداعيات اليومية للمستوطنين، ومساندة حكومة تصريف الأعمال الإسرائيلية لهم، واتساع نطاق الحرج والألم الذي يشعر به الفلسطينيون لما يجري في القدس، ثم انحشار حماس في الزاوية. أي كان بمقدورهم الإشارة إلى الأسباب الإسرائيلية للحرب، وإلى بؤس الحال في القدس، واستغاثة المقدسيين بحماس. فقد كانت الاستغاثات ذات معنى ضمني يقول لحماس إنك تحكمين غزة بشفاعة خطابك المقاوم، وعليك أن تمارسي دورك ولا تلتزمي بموقف المتفرج. وكان بمقدور رموز السلطة أن يضيفوا إلى عناصر القول، ما يفيد بقناعة السلطة، بأن المقاومة حق من حيث المبدأ، لكنه حق محبط لأسباب موضوعية، وأن يعترفوا بالعجز عن ممارسة العمل المسلح، ويرحبوا به إن أتيح لغيرهم، عندما يكون أمرا لا بد منه!
حسين الشيخ اعتبر أن "النصر بامتياز" قد تحقق بفضل “صمود وكبرياء رئيس الشعب الفلسطيني، وهو الرئيس محمود عباس
لكن المفارقة، أن أي طرف آخر، غير حماس، حتى ولو كان من المشاركين معها، أو أكثر منها، في إطلاق الصواريخ، لن يجني ربحا من النصر المجازي، لأن حماس، أولا، هي السلطة في غزة. وثانيا، لأن شريكها الوازن، هو حركة الجهاد لا يريد سلطة ولا شرعية دستورية وإنما شرعية مقاومة. وثالثا، لأن حماس معنية أولا وأخيرا باستعادة زخمها، بعد تجربة حكم فاشلة، أفقدتها محبة السواد الأعظم من الفلسطينيين في غزة.
فعلى الأقل، سيكون الربح في حدود التمييز بين الحكم والمقاومة، أو بين السلطة الغليظة والقتال. معنى ذلك أن تصريحا كتصريح الرجوب لن يعود عليه وعلى الرئيس عباس بأي فائدة، لا على مستوى الرأي العام الفلسطيني، ولا على المستوى السياسي، ولا على صعيد التطهر من آثام مرحلة طويلة، تخللتها كل الانحرافات. أما تصريح الشيخ فيظل في موضع السخرية، لافتقاده إلى الحد الأدنى من المنطق. لكن الرجوب تحديدا لم يفطن إلى أمر مهم، وهو أن ما قبل بعد المعركة، كان يتعلق بمسار سياسي، وقد تقرر أن يزور وزير الخارجية الأميركي إسرائيل ورام الله الأربعاء والخميس، وأن الكلام يجري عن إعادة مشروطة لإعمار غزة.
إن كل ما كان يقصده الرجوب هو استرضاء حماس وتقديم قيادة فتح إليها، باعتبارها مؤيدة لسلاح حماس، علما وأن هذه القيادة ليست كذلك، وإن أخذنا على محمل الجِد تصريح محلل إسرائيلي في حوار على شاشة "كان" للتلفزيون الإسرائيلي، سيكون الأمر مناقضا لما قاله الرجوب. فالمحلل الإسرائيلي يقول إن مسؤولا فلسطينيا قال له عبر الهاتف عاتبا أو زاجرا، لماذا لا تدخلوا إلى غزة للقضاء على حكم حماس. وقد سُمعت بعد ذلك، على المستوى السياسي الرسمي في أوروبا والولايات المتحدة، أصداء لما قاله ذلك المحلل. فالأوروبيون يشترطون للإسهام في الإعمار أن ينتهي وضع غزة من حيث أنها منطقة مسلحة يمكن أن تعود إلى إطلاق الصواريخ.
أما الأميركيون فقد بدأوا محاولة تأهيل عباس لحكم غزة، بطريقة أو أخرى، وقال الرئيس جو بايدن إنه يريد عباس رئيسا للشعب الفلسطيني، وبدا في المناخ العام أن هناك شيئا مسكوتا عنه. فالمسائل تتجاوز اهتمام الرجوب بإعادة الزخم لمشروع مصالحة فلسطينية يكون لحماس فيها كل ما تمتلك، من سلاح وسلطة فعلية في غزة، وتذهب إلى تأمين مناصريها في الضفة والمشاركة في إدارتها. إن هذا منحى لا تحتمله ولا تستطيعه سلطة عباس، ولن تسكت عنه إسرائيل، وبالتالي لا يعدو كونه نوعا من الثرثرة الفارغة.
ضآلة الوعي السياسي هي التي تجعل من يحاولون ركوب الموجة عاجزين عن التحدث بلغة أكثر ذكاء، قد تساعدهم على إقناع جزء من الفلسطينيين بأن ما يقولونه فيه شيء من الحكمة
تصريحات غانتس الأربعاء، فيها تعبير عن النوايا المستقبلية، وهذه لم تأت من فراغ. فالرجل يقول إننا مستعدون لاحتلال غزة إذا لزم الأمر. وقد جاءت هذه التصريحات بالتزامن مع العديد من الممارسات، في اليوم نفسه، للتأكيد على أن إسرائيل لم تقلع عن الأعمال التي تتسبب في إطلاق حماس الصواريخ، كأنما، من جهة، تريد من حماس أن تسمع وترى الخروقات وتصمت، فيتضاءل إحساسها بنشوة النصر المجازي، ومن جهة أخرى، إرسال إشارة إلى السلطة والإدارة الأميركية بأن إسرائيل لا تزال مستعدة للهجوم البري.
حماس، من جانبها، شعرت سريعا بأن ما تحقق لغزة، من قدرة على إيلام إسرائيل، يمكن جدا أن يتعرض لعملية إجهاض سياسي، من خلال عودة الأميركيين والإدارة الأميركية إلى لعبة العصا والجزرة.
كاتب وسياسي فلسطيني

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه