طباعة

رئيس أم حجر عثرة

بقلم علي الصراف حزيران/يونيو 19, 2021 150

 

رئيس أم حجر عثرة

لا يهم أن أعمدة البلاد تسقط ولكن سلطته هي وحدها التي يفترض أن تعلو وكأنها الغراب الذي ينعق فوق الخراب، هذا هو الرئيس ميشال عون أفهل رأيت في صورته الرئيس محمود عباس؟
النقمة طغت على عقل متحجر مريض وعنيد
لا يوجد وجه للشبه في الشكل والتاريخ بين الرئيسين ميشال عون ومحمود عباس أكثر من أنهما حجر عثرة أمام الحلول والفرص حيال كارثة بلا قرار تنتظر شعبيهما، ولا تحتاج لتلافيها إلا شيئا واحدا فقط، أن يتراجعا عن ركوب بغلة التعنت.
الرئيس عون لم يترك مناسبة لمناكفة الرئيس المكلف بتشكيل حكومة الإنقاذ سعد الحريري من أجل إجباره على التخلي عن التكليف إلا وفعلها. وكان منها ما هو قبيح، كأن يرسل له قائمة أسماء الوزراء المسيحيين على دراجة نارية، أو كأن يقول إنه لم يقدم لائحة بأسماء وزراء الحكومة بينما كان تسلمها منذ عدة أشهر. حتى بدا وكأن المسافة بينه وبين الحقيقة أبعد من المريخ. ولئن ظل يزعم أنه لا يريد الثلث المعطل، فقد اتضح من سجالاته مع رئيس مجلس النواب نبيه بري أنه يريد الثلث المعطل زائد وزيرين في حكومة تتألف من 24 وزيرا.
على غرار الكارثة التي تهدد وجود لبنان فإن الكارثة التي تهدد بقاء الفلسطينيين على أرضهم لا تكشف عنها عمليات الاستيطان وحدها بل تكشف عنها سلطة لا تعرف ماذا تفعل
التفسير البيزنطي الذي يخوضه عون بشأن صلاحياته الدستورية لا يوافقه عليه رؤساء الحكومات السابقون ولا مجلس النواب ولا رجال القانون. ولو جاز أن يتم إجراء استفتاء حول التفسيرين فإنه سوف يخسر بيزنطة كلها وليس سفسطائياتها فقط. ولكن هناك شخصا واحدا، لم يعرف عنه أنه ضليع بالدساتير هو صهره جبران باسيل، هو الذي يقنعه بأن الدستور يكفل له الحق في المشاركة بتشكيل الحكومة واختيار الوزراء المسيحيين لمجرد أن له كتلة في البرلمان، بينما يفترض بالرئيس، دستوريا على الأقل، أن يكون رئيسا لجميع اللبنانيين لا رئيسا لكتلة برلمانية، ولا ممثلا لفريق.
ويستعدي الرئيس كل من يعارضه أو يختلف معه في الرأي، ويضمر في نفسه أحقادا ولا يتردد في أن يكيل لخصومه الصاع صاعين، بينما البلاد تغرق في جهنم.
الرئيس بري قدم مبادرة لتسوية الخلاف بشأن الوزراء التكنوقراط الذين يتعين على حكومة الإنقاذ أن تتشكل منهم لإخراج البلاد من قاع الإفلاس والفشل والعجز. إلا أن عون ترك كل ذلك لينتقم من كتلة حركة أمل لأنها لم تصوت لصالح انتخابه رئيسا، ولأن الرئيس بري قاد المجلس النيابي ليرفض محاولته عزل الحريري من داخل البرلمان.
طغت النقمة على عقل متحجر مريض وعنيد، وعيناه تشخصان إلى شؤون لا علاقة لها بما يرزح تحته اللبنانيون من أوضاع اقتصادية بائسة، ولا بالمخاطر التي تهدد بقاء دولتهم.
لا يهم أن أعمدة البلاد تسقط، ولكن سلطته هي وحدها التي يفترض أن تعلو، وكأنها الغراب الذي ينعق فوق الخراب. هذا هو الرئيس ميشال عون. أفهل رأيت في صورته الرئيس محمود عباس؟
إنه النسخة طبق الأصل في عرقلة الحلول، وفي كل شأن من شؤون الكارثة التي يعيش الفلسطينيون في ظلها وتهدد وجودهم نفسه على أرضهم.
الرئيس عون لم يترك مناسبة لمناكفة الرئيس المكلف بتشكيل حكومة الإنقاذ سعد الحريري من أجل إجباره على التخلي عن التكليف إلا وفعلها
لقد كانت الانتخابات التشريعية حلا لأزمة الانقسام. فلما رأى أنه سوف يخسرها تذرع بالقدس لكي ينسف الحل، ولكي لا يجد أن سلطته فوق العادة التي يمارسها بمراسيم صارت مهددة بمجلس تشريعي يُسائلها عما تختار وما تفعل.
وهو آثر أن يُبقي كل شيء معطلا، حتى ولو بقي هو نفسه بلا عمل.
ولا أحد يعرف كيف يضع عباس رأسه على المخدة لينام الليل، بينما سلطته صارت مما لا نفع فيه، وبينما شعبه يدفع ثمن المرارات كلها تحت الاحتلال، حتى جاءت حرب الأيام الأحد عشر في القدس وغزة.
ففي دلالة على أن تلك الرئاسة التي لا نفع فيها حتى للرئيس، فقد كان أمين سر مركزية فتح جبريل الرجوب صريحا بما يكفي للقول إن أحدا لم يتصل بالرئيس عباس. إذ كان واضحا للعالم بأسره أنه خارج المعادلة، خارج القضية، ولا علاقة له بشعبه.
وظلت أحقاده الشخصية هي التي تتفوق عليه وبالدرجة الرئيسية ضد زعيم التيار الإصلاحي في حركة فتح محمد دحلان. ولو أن الدنيا كلها اجتمعت لترضيه بمشاركة تيار الإصلاح في الانتخابات، فإنه ما كان ليرضى. وكانت قائمة التيار الإصلاحي فضلا عن قائمة ناصر القدوة من بين أبرز الأسباب التي دفعته إلى إلغاء الانتخابات.
سلطة الحقد لن تقوده إلى مكسب، إلا أنها تقود شعبه إلى جهنم مماثلة تماما لجهنم التي يغرق بها اللبنانيون.
كل الناس قالوا له إن الانتخابات يمكن أن تجرى في القدس برضا الاحتلال أو رغم أنفه، إلا أنه تمسك بأن تجرى الانتخابات هناك برضا حكومة إسرائيل، وكأن سلطته مطية لها، وتتبع ما تختار وما تشاء.
وحيث انتهى الفلسطينيون إلى أن كسروا شوكة القوة الإسرائيلية، وأجبروا إسرائيل على التوقف عن ترحيل عائلات الشيخ جراح، فقد ظهر أن للرئيس عباس ما يمكن أن يفعله، إنما في مواجهة شعبه، ولكي لا تخرج فصائل السلاح الفلسطيني كغالب سياسي، أو أن يكون لها دور في إرساء أسس الهدنة وما بعدها.
الحرب أسفرت أيضا عن تخريب الآلاف من المباني وتشريد الآلاف من السكان. ولكي يثبت الرئيس عباس أنه حجر عثرة، فقد طالب بأن يكون له دور في صياغة مشاريع إعادة الإعمار. لا لشيء إلا لأنه رئيس، حتى ولو كان قبل وقت قصير لا يهش ولا ينش، وليس ممن يتصل به أحد.
الولايات المتحدة فتحت له النافذة لتعطيه دورا. ولكن ليس ليكون دورا حقيقيا، وإنما لكي يعرقل ما قد ينشأ من أدوار الآخرين.
وعندما دعت القاهرة إلى اجتماع مصالحة جديد، فقد آثر الرئيس عباس أن “يتعنتر” على المبادرة المصرية لبدء أعمال إعادة الإعمار بطرح شروط جديدة جوهرها هو أنه يريد ما يشبه “الثلث المعطل” زائد وزيرين في حكومة وحدة وطنية، وعليها أن تمتثل لشروط الرباعية الدولية.
لم يلحظ الرئيس عباس أن ما يريد أن يُلزم به نفسه والآخرين لا تلتزم به إسرائيل.
القضية الفلسطينية تحت التهديد، ليس في الواقع بسبب قوة إسرائيل العسكرية، فهذه قابلة للكسر، ولكن بسبب عجز سلطة الرئيس عباس عن بناء نظام سياسي جدير بالاحترام.
التفسير البيزنطي الذي يخوضه عون بشأن صلاحياته الدستورية لا يوافقه عليه رؤساء الحكومات السابقون ولا مجلس النواب ولا رجال القانون
وعلى غرار الكارثة التي تهدد وجود لبنان فإن الكارثة التي تهدد بقاء الفلسطينيين على أرضهم لا تكشف عنها عمليات الاستيطان وحدها التي التهمت ثلث الضفة الغربية و90 في المئة من القدس، بل تكشف عنها سلطة لا تعرف ماذا تفعل.
هنا أيضا طغت النقمة على عقل متحجر مريض وعنيد، وعينا الرئيس “لا تشخصان إلى الهم”، وإنما إلى شؤون لا علاقة لها بما يرزح تحته الفلسطينيون في القدس والضفة الغربية وغزة على حد سواء.
فإذا كانت قضية شعبه مما لا يتيح لأحد إلا الأرق، فإن ضغائنه هي وحدها التي تساعده على النوم.
علي الصراف
كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)