ardanlendeelitkufaruessvtr

جاع شاعر .. وشبعت الكلاب

بقلم رباح آل جعفر حزيران/يونيو 23, 2021 275

جاع شاعر .. وشبعت الكلاب

رباح آل جعفر

لو أننا كتبنا عن الشاعرة لميعة عباس عمارة في حياتها نصف ما كتبناه عنها بعد موتها، لعاشت عشرين سنة أخرى!.
فمن الغريب أننا نهاجم المبدعين وهم أحياء. لكننا بعد أن نتأكد من موتهم نبدأ بالبكاء عليهم وبالعويل!.
أذكر عن الشاعر قيس لفتة مراد أنه عاش في محنة قاتلة. لا يكاد يجد طعامه اليومي. ونام في غرفة رطبة لا تدخلها الشمس. وباع قلمه “الباندان” في سوق هرج ببغداد ليشتري بثمنه وصفة العلاج. وكان يتمنى لو أنه عاش في غرفة تستطيع أن تصل إليها سيارة الإسعاف!.
عندما مات الشاعر المصري الساخر عبد الحميد الديب كتب في رثائه الشاعر كامل الشناوي يقول: اليوم مات شاعر جاع.. وشبعت من بعده الكلاب!.
نتذكر قصة الشاعر سعدي يوسف وغربته في الجزائر، ثم عودته إلى العراق في أعوام السبعينات، فرحيله عنه مرة ثانية إلى الجزائر، وديوانه “الأخضر بن يوسف ومشاغله”، وقوله في إحدى قصائده: “ما الذي فعلت بنفسك؟. كانت بلاد الجزائر واسعة لخطاك”؟!.
ثم يكمل القصيدة بحسرة: “توهمتُ انكِ زاويتي، والمدار الذي يقف النجم فيه. توهمتُ نخلَ السماوة نخلَ السماوات”!.
وعندما كان المرض يفتك بالسيّاب، ويأكل من حياته على سرير حديدي في مستشفى كويتي، وهو لا يحرز أمامه نصراً، ولا يستطيع مقاومة. كتب وقلبه يتحرّق شوقاً في العودة إلى بلده: “عراق، عراق، ليس سوى عراق”. لكنه لمّا عاد إلى العراق في صندوق خشبي، لم يمش في جنازته سوى أنفار، افترقوا قبل نزول النعش في القبر!.
في رواية “زوربا اليوناني” للروائي ” نيكوس كازانتزاكيس” تقرأ قصة جميلة عن يوناني مهاجر، خرج من بلاده لأنه يحبها إلى درجة الوجع، وبالتالي فانه لم يعد قادرا على البقاء فيها .. فهذا اليوناني يخرج وهو يحمل اليونان في قلبه، ويغادرها وهو يحبها حبا يبلغ درجة الكراهية، وكراهية تبلغ درجة الحب!.
ومن الأسرار الغريبة التي استعصت في الفهم على العلماء، لماذا تهاجر الطيور من بلد إلى بلد، وتقطع آلاف الأميال من قارة إلى قارة؟!.
هنالك طائر غريب في أميركا الجنوبية اسمه “طائرالشوك” عندما يريد أن ينتحر فإنه يطير عالياً ويحلّق بعيداً بحثاً عن شجرة شوك ينتزع منها بمنقاره شوكة عمودية تنفذ قي قلبه كالسهم، وهو يشدو أجمل ألحانه!.
وكان الشاعر عبد الوهاب البياتي من عشاق صوت مغنّ في الجزيرة العربية، أبو بكر سالم، وقال لي يوماً ونحن نبحث عن حدائق خفيّة في مدن يغطيها الصقيع: إنه لا يدرك عمق صوته إلا من عانى الغربة داخل بيته، أو داخل وطنه!.
وكان البياتي نفسه يعاني غربة البــــــــــــيت والوطن والمنفى، ومات غريباً وحيداً لتصدق نبوءته الشعرية:
غرباء يا وطني نموت، وقطارنا أبداً يفوت!.
ومرة استعرضـــــــــت في دمشــــــــق مع الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد أدباء عراقيين عاشوا غرباء ودفنـــــوا في مقبرة الغرباء، وذكرت منهم الجواهري ومصطفى جمال الدين، فبادرني باكياً: لكنني أوصيت أن يدفنوني في العراق.. ثم مات بعد سنوات في باريس، ولم يتسع له قبر في بغداد!.
كان أبو الطــــب أبقراط ينصح بعلاج كل مريض بعقاقير من الأعشاب التي تنبت في وطنه، فكيف إذا أصبح الوطن هو المريض، ولا طبيب في العراق ولا أبقراط؟!.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It