ardanlendeelitkufaruessvtr

نوافذ

بقلم إبراهيم الجبين تموز/يوليو 30, 2021 248

 

نوافذ

الإنسان كائن قادم من تاريخ طويل من الصراع، صراع من أجل النجاة والبقاء.
“مدن مظلمة” داخل التربة تعيش فيها الكائنات
رغم معاناتنا كبشر وتعاسة حياة كثيرين منا، بفعل مواجهة الظروف والتجارب القاسية، وشعورنا بالعجز أو بالرغبة في مقاومة مؤثرات نقول عنها إنها أكبر منا بكثير، إلا أننا لا ننتبه إلى مشكلة من أخطر وأهم مشاكل التفكير، كانت ولم تزل غير مفهومة عبر التاريخ كله؛ مشكلة الحجم.
تتحدث جامعة لوند في السويد من جديد عن ملعقة الشاي الصغيرة من التربة التي تحتوي على كائنات دقيقة أكثر من عدد سكان كوكب الأرض من البشر. ملعقة شاي صغيرة بذاك العدد المهول! فما هو عدد الموجودات الحية من حولنا إذًا؟
ذلك السؤال ورغبة الإنسان في التلصّص على كل ما حوله دفعا علماء لوند إلى ابتكار طرق متطوّرة للتجسّس على تلك الكائنات، وفقاً لمجلة “كوميونيكيشنز بيولوجي” التي نشرت في الأيام الماضية من هذا الشهر أخبارًا عن “مدن مظلمة” داخل التربة تعيش فيها تلك الكائنات. ليس هذا وحسب، بل إن تلك المدن تضم “طرقًا سريعة وناطحات سحاب وجسورا وأنهارًا”. وحتى يتمكنوا من مشاهدة ذلك طوروا نوعًا من التربة أسموها “تربة سايبورغ” وهي عبارة عن نوافذ زجاجية تبدأ المدن المخفية بالظهور من خلفها.
ولكن ما هو درس الحجم في الوعي؟ ولماذا لا يغادر هواجسنا؟
الإنسان كائن قادم من تاريخ طويل من الصراع، صراع من أجل النجاة والبقاء، ولذلك قد تدرّب بشكل رهيب على فكرة “التغلّب” وتمكين ذاته في الموضع الذي قرر أنه يخصّه ويعنيه، وسيُقاتل مثلما يفعل قط أو ذئب لحماية نفسيهما من خطر الآخرين، وهذا يحصل في كلّ أنماط سلوك الإنسان من العاطفة إلى الجنس وإلى المال والسياسة والحكم.
مهلاً. من قال إن هذا السلوك هو سلوك متطوّر؟ وإنه بعيد عن الغرائزية والوحشية والانقلابية التي يزعم الإنسان أنه فارقها منذ زمن بعيد؟
مثال ذلك حين يعتقد الفائزون في أي عملية انتخابية ديمقراطية أن فوزهم هو سحق لخصومهم وأن المكان الذي ظفروا به يجب تحصينه بأي وسيلة. ولا أحد يعارض مشروعية الفوز في انتخابات نزيهة. إنّما ماذا يحصل بعد الفوز لدى أصحاب العقلية التغلّبية؟ تشتغل عندهم على الفور حواسّ بدائية تنذرهم بالخطر القادم من الآخرين المختلفين عنهم، ويَشْرعون في تحصين فوزهم بأداء بعيد كل البعد عن الشراكة، لأنه لا يمكن لك أن تتباهي بالعمل مع حلفائك، فهم حلفاء لك تجمعك بهم المصالح، أما التحدي فهو العمل مع الخصوم. وهنا تعود من جديد مشكلة الحجم وتوهّم الحجم إلى البروز، فيعتقد البعض من الأشخاص أنهم عمالقة وأن الآخرين كائنات مجهرية لا قيمة لها، حتى يبدأ صراع جديد يذكّرهم بحجمهم الحقيقي.
إبراهيم الجبين
كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It