‏الضاحكون

بقلم رباح آل جعفر آب/أغسطس 25, 2021 445

 

‏الضاحكون

 

رباح آل جعفر

 

‏‏كان‭ ‬صديقنا‭ ‬الشاعر‭ ‬الرقيق‭ ‬صفاء‭ ‬الحيدري‭ ‬إذا‭ ‬ضحك‭ ‬فإنه‭ ‬يبكي‭ ‬بكاءً‭ ‬مرّاً‭ ‬من‭ ‬جوانحه‭ ‬حتى‭ ‬تسيل‭ ‬دموعه‭. ‬والشاعر‭ ‬حسين‭ ‬مردان‭ ‬كان‭ ‬يقول‭: ‬لو‭ ‬مات‭ ‬العالم‭ ‬قبلي‭ ‬بساعة‭ ‬لكتبت‭ ‬قصيدة‭ ‬من‭ ‬الضحك‭. ‬والشاعر‭ ‬الإنكليزي‭ ‬بايرون‭ ‬هو‭ ‬القائل‭ ‬إنني‭ ‬أضحك‭ ‬لكي‭ ‬أبكي‭. ‬والرسّام‭ ‬الإغريقي‭ ‬زويكسس‭ ‬ظلّ‭ ‬يضحك‭ ‬حتى‭ ‬مات‭ ‬من‭ ‬الضحك‭. ‬والفيلسوف‭ ‬كريسيبوس‭ ‬اختنق‭ ‬من‭ ‬شدة‭ ‬الضحك‭ ‬فمات‭ ‬بالسكتة‭ ‬القلبية‭. ‬وعبقري‭ ‬الكوميديا‭ ‬نجيب‭ ‬الريحاني‭ ‬كتب‭ ‬يرثي‭ ‬نفسه‭ ‬قبل‭ ‬موته‭ ‬بأيام‭: ‬مات‭ ‬الريحاني‭ ‬في‭ ‬ستين‭ ‬ألف‭ ‬سلامة‭!. ‬
‏ولعل‭ ‬الرئيس‭ ‬الليبي‭ ‬معمر‭ ‬القذافي‭ ‬بدعاباته‭ ‬اللاذعة‭ ‬وأسلوبه‭ ‬الساخر‭ ‬كان‭ ‬آخر‭ ‬الرؤساء‭ ‬العرب‭ ‬الظرفاء‭. ‬فهو‭ “‬عميد‭ ‬الحكام‭ ‬العرب‭”‬،‭ ‬و‭”‬أمير‭ ‬المؤمنين‭”‬،‭ ‬و‭”‬ملك‭ ‬ملوك‭ ‬إفريقيا‭”. ‬كان‭ ‬يضحك‭ ‬ويدعو‭ ‬الآخرين‭ ‬إلى‭ ‬التسلية‭. ‬ويقول‭: ‬والله‭ ‬زين‭ ‬هاها‭.. ‬والله‭ ‬مزيان‭ ‬هاها‭.. ‬والمفارقة‭ ‬وراء‭ ‬كل‭ ‬نكتة‭ ‬تحدث‭ ‬نكبة‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأمة‭!. ‬
‏والرئيس‭ ‬أنور‭ ‬السادات‭ ‬كان‭ ‬يسأل‭ ‬كل‭ ‬ليلة‭ ‬قبل‭ ‬النوم‭: “‬إيه‭ ‬أخبار‭ ‬النكت‭”‬؟‭ ‬فلا‭ ‬ينام‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬نكتة‭ ‬جديدة‭. ‬أما‭ ‬عذاب‭ ‬الفنان‭ “‬الغلبان‭” ‬اسماعيل‭ ‬ياسين‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬اليمني‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬السلال‭ ‬فكان‭ ‬يذهب‭ ‬إليه‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬من‭ ‬القاهرة‭ ‬إلى‭ ‬الإسكندرية‭ ‬ليحكي‭ ‬له‭ ‬نكتة،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬المصدر‭ ‬الوحيد‭ ‬لشفائه‭!. ‬
‏كان‭ ‬العالم‭ ‬أكثر‭ ‬ابتساماً‭ ‬وسعادة‭ ‬والدنيا‭ ‬نكتة‭ ‬كبيرة‭. ‬والناس‭ ‬تضحك‭ ‬من‭ ‬حناجرها‭. ‬فيسهرون‭ ‬الليل‭ ‬مع‭ ‬عادل‭ ‬إمام‭ ‬في‭ “‬مدرسة‭ ‬المشاغبين‭”‬،‭ ‬وينسون‭ ‬همومهم‭ ‬مع‭ ‬قبقاب‭ ‬وطربوش‭ ‬غوار‭ ‬الطوشة،‭ ‬ويضحكون‭ ‬على‭ ‬مكائد‭ ‬حسني‭ ‬البورظان‭ ‬في‭ “‬حمّام‭ ‬الهنا‭” ‬المسلسل‭ ‬التلفزيوني‭ ‬الشهير‭. ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يستعير‭ ‬زعماؤهم‭ ‬شخصية‭ ‬البورظان‭ ‬ويحتالوا‭ ‬على‭ ‬شعوبهم،‭ ‬فيصبح‭ ‬كل‭ “‬زعيم‭” ‬منهم‭ ‬بورظان‭ ‬زمانه‭. ‬تطورت‭ ‬شخصية‭ “‬بورظان‭” ‬في‭ ‬بلدنا‭ ‬وتعددت‭ ‬فأصبح‭ ‬لدينا‭ “‬بورظان‭” ‬في‭ ‬كل‭ ‬زمان‭ ‬ومكان‭!. ‬
‏في‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬ذاعت‭ ‬أغنية‭ “‬هزّي‭ ‬يا‭ ‬نواعم‭” ‬فهزّت‭ ‬لها‭ ‬الأمة‭ ‬واهتزت‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬خصر‭ ‬حتى‭ ‬دوّخت‭ ‬الرجال‭. ‬إن‭ ‬مالت‭ ‬على‭ ‬اليمين‭ ‬سقطت‭ ‬في‭ ‬حضن‭ ‬كامب‭ ‬ديفيد‭. ‬وإن‭ ‬مالت‭ ‬على‭ ‬اليسار‭ ‬سقطت‭ ‬في‭ ‬حضن‭ ‬أوسلو‭. ‬وإن‭ ‬هزّت‭ ‬من‭ ‬الوسط‭ ‬سقطت‭ ‬في‭ ‬أحضان‭ ‬الوزيرة‭ ‬الحسناء‭ ‬تسيبي‭ ‬ليفني‭!.‬
‏أيام‭ ‬زمان‭ ‬أضحك‭ ‬محمد‭ ‬الماغوط‭ ‬بقفشاته‭ ‬الناعمة‭ ‬الشحاذين‭ ‬والجلادين‭ ‬أيضاً‭. ‬ثم‭ ‬أصبح‭ ‬العالم‭ ‬مكفهراً‭ ‬مكتئباً‭ ‬يحمل‭ ‬هراوة‭ ‬غليظة‭. ‬تكاثر‭ ‬كَتَبَة‭ ‬النفاق‭ ‬السياسي‭. ‬توالت‭ ‬علينا‭ ‬الكوارث‭ ‬المتوقعة‭ ‬وغير‭ ‬المتوقعة‭. ‬من‭ ‬وباء‭ ‬إيبولا‭ ‬إلى‭ ‬وباء‭ ‬كورونا‭. ‬توقف‭ ‬الضاحكون‭ ‬عن‭ ‬الضحك‭. ‬وأصبحت‭ ‬النكتة‭ ‬تقال‭ ‬على‭ ‬استحياء‭. ‬أمّا‭ ‬السخرية‭ ‬فإنها‭ ‬رجس‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬الشيطان‭!. ‬
‏مرّت‭ ‬سنون‭ ‬وتقلّبت‭ ‬الأحوال‭. ‬استأذن‭ ‬الظرفاء‭ ‬بالانصراف‭. ‬تركوا‭ ‬أماكن‭ ‬شاغرة‭ ‬لم‭ ‬يملأها‭ ‬أحد‭. ‬أين‭ ‬ذلك‭ “‬الولد‭ ‬الشقي‭” ‬محمود‭ ‬السعدني‭ ‬بقلمه‭ ‬الساخر‭ ‬الهجّاء؟‭!. ‬وأين‭ ‬ذهبت‭ ‬أشعار‭ ‬عبود‭ ‬الكرخي،‭ ‬ومنلوجات‭ ‬عزيز‭ ‬علي،‭ ‬ومفاكهات‭ ‬الرصافي،‭ ‬ومجالس‭ ‬الزهاوي،‭ ‬وسخريات‭ ‬نوري‭ ‬ثابت‭ ‬في‭ “‬حبزبوز‭”. ‬ولك‭ ‬أن‭ ‬تتخيّل‭ ‬ظرافة‭ ‬سليم‭ ‬البصري‭ “‬حجي‭ ‬راضي‭” ‬تحت‭ ‬موس‭ ‬الحلاق؟‭. ‬
‏والشيخ‭ ‬جلال‭ ‬الحنفي‭ ‬كان‭ ‬يُرينا‭ ‬مواهبه‭ ‬المتعددة‭. ‬إنه‭ ‬شيخ‭ ‬الساخرين‭ ‬بامتياز‭. ‬مرة‭ ‬يجمع‭ ‬الفأر‭ ‬والقط‭ ‬في‭ ‬قفص‭ ‬واحد‭ ‬فنندهش‭. ‬ومرة‭ ‬يستعرض‭ ‬لنا‭ ‬مهاراته‭ ‬في‭ ‬التنويم‭ ‬المغناطيسي‭ ‬فيزيدنا‭ ‬دهشة‭. ‬وكان‭ ‬حين‭ ‬يصفو‭ ‬مع‭ ‬نفسه‭ ‬ويغنّي‭ ‬المقام،‭ ‬يسيل‭ ‬صوته‭ ‬المبحوح‭ ‬نبرات‭ ‬حزينة‭ ‬كأنه‭ ‬البكاء‭!. ‬
‏ونكات‭ ‬أستاذنا‭ ‬علي‭ ‬الوردي‭ ‬فورية‭ ‬وتلقائية‭. ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يؤلّف‭ ‬لك‭ ‬ألف‭ ‬نكتة‭ ‬فتضحك‭ ‬طوال‭ ‬الوقت،‭ ‬أمّا‭ ‬الوردي‭ ‬فلا‭ ‬يضحك‭ ‬لنكتة‭ ‬ولا‭ ‬يبتسم‭. ‬
‏وكان‭ ‬صديقنا‭ ‬الكاتب‭ ‬البديع‭ ‬حميد‭ ‬المطبعي‭ ‬يخترع‭ ‬المواقف‭ ‬الطريفة‭ ‬لكل‭ ‬شخص‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يسخر‭ ‬منه‭ ‬فيوقعك‭ ‬على‭ ‬قفاك‭ ‬من‭ ‬الضحك‭.. ‬إنه‭ ‬ضحكٌ‭ ‬كالبكا‭!. ‬
‏فأين‭ ‬اختفى‭ ‬أولئك‭ ‬الضاحكون؟‭!.‬

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه