خفايا وأسرار في مذكرات المؤرخ الراحل عماد عبد السلام رؤوف (2-2)

بقلم سلام الشماع أيلول/سبتمبر 28, 2021 479

خفايا وأسرار في مذكرات المؤرخ الراحل عماد عبد السلام رؤوف  (2-2)

سلام الشماع

لم يكن دير العاقول الذي صُرع عند مشارفه الشاعر أبو الطيب المتنبي هو الاكتشاف الوحيد للدكتور عماد عبد السلام رؤوف، بل له اكتشافات كثيرة من بينها قبر المستعصم بالله، آخر الخلفاء العباسيين، ففي سنة 1989 أهدى الدكتور حسين علي محفوظ إلى صاحب المذكرات نسخة مصورة من مخطوطة قديمة في النسب بعنوان الأصيلي، كان قد حصل عليها من بيت أحد الساكنين في البقاع في لبنان، وهي من تأليف المؤرخ ابن طباطبا الطقطقي الذي كان حياً سنة 701هـ.

 يقول الدكتور رؤوف: لم أعر المخطوطة في بادئ الأمر اهتماما تستحقه، ثم صادف أن اصطحبتها معي، ذات مرة، إلى الكلية لأقرأ فيها ساعة فراغ لي هناك، وبينما كنت مستغرقاً في قراءتها، وإذا بي أفاجأ برواية غريبة لم تلفت نظري من قبل، تعين بدقة موطن مدفن الخليفة الأخير المستعصم بالله العباسي، وكان مدفنه حتى ذلك الوقت لغزا حيَّر الباحثين، ومصدر الرواية هو ابن أنجب الساعي، وهو معاصر لحادثة احتلال المغول بغداد، والمقرب من الاسرة العباسية، فلا نملك سببا للشك في روايته، وقلت في نفسي لو كان ابن الساعي غير دقيق في روايته لما اعتمدها ابن طباطبا وهو معاصر للحدث ايضا، ثم كيف يعتمد رواية غير صحيحة وهو الذي قدم كتابه هدية الى أصيل الدين بن نصير الدين الطوسي، وأبوه، اي نصير الدين، هو الذي اقترح إعدام المستعصم، إذن فسند الرواية صحيح تماماً، أما الرواية نفسها فمفادها أن شمس الضحى شاه لبنى الأيوبية أخرجت جثمان الخليفة من حيث غيّبه المغول، وأمرت بدفنه في مشهد النذور، ومشهد النذور هذا في الاعظمية ويعرف بأم رابعة، وليست رابعة إلا ابنة شاه لبنى وقد دفنت قرب قبر أمها في البقعة نفسها. وكتبت دراسة حول هذا الموضوع الخططي المهم وقدمتها الى وزير الثقافة والاعلام في حينه لطيف نصيف جاسم، ولكن طبول الحرب سنة 1990 طغت على موضوع الدراسة فأهملت، ثم أني نشرت هذه الدراسة في مجلة الرسالة الإسلامية التي تصدرها وزارة الأوقاف، سنة 1994? مطالبا بتحقيق ما يأتي:

1- استملاك الدور المجاورة لقبة أم رابعة، وهي في الأصل وقف على القبر نفسه، ثم استملكها شاغلوها ملكاً صرفاً، وتعويضهم عن ملكياتهم وفقاً للقانون.

2- إزالة هذه الدور المستحدثة والكشف عن المنطقة آثارياً، للتوصل إلى أسس المنشآت التي كانت تشغل الأرض المجاورة ببقية، والتي نعرف منها رباط زمرد خاتون، والمدرسة العصمتية، وإعادة بنائها وفق تلك الأسس ما أمكن ذلك.

3- ترميم قبة الضريح، والقبة المجاورة لها، ترميماً شاملا.

4- وضع شاهد على القبر يوضح هوية صاحبه.

نشرت الدراسة ومضت، ولم تحرك لدى الجهات المعنية ساكناً، ولكن شاءت الاقدار ان يكون لهذا الموضوع شأن آخر بعد نحو عقد من الزمن.

في سنة 1997 أخبر بعض الجيران صاحب المذكرات أن سيارة سوداء فخمة وقفت أمام البيت، ونزل منها شخصان يسألان عنه، ولما لم يجدا جواباً، غادرا المكان، وقد أخبرا اولئك الجيران أنهما من ديوان الرئاسة.

يقول الدكتور عماد: استغربت للأمر، واتباعاً للأصول في مثل هذه الحالات، قصدت في اليوم الثاني استعلامات ديوان الرئاسة، أو القصر الرئاسي، لا أدري اليوم أيهما قصدت، وأخبرت من كان فيها بالأمر، معتذرا بأني كنت ملازماً ولدي في المستشفى، ولم يمض يوم أو يومان حتى اتصلوا بي هاتفيا، وطلبوا مني الحضور في صباح اليوم الثاني لمقابلة الرئيس، ولم يدر في خلدي سبب هذا الاستدعاء مطلقا، وما شأن الرئيس بي، المهم أني ذهبت في الموعد المضروب إلى الاستعلامات، ومن هناك أقلتني سيارة خاصة الى مبنى آخر للانتظار.

يضيف أن الرئيس صدام حسين استقبله بود مع أنه لم يلتقه من قبل، وجلس قبالته منتظراً معرفة سبب هذا الاستدعاء غير المفهوم في نظره، وإذا بالرئيس يخرج ورقة كبيرة من مكتبه تبين له أنها تتضمن نسخة مكبرة لمقال تذكره فورا، وهو يحمل عنوان الدكتور عماد عبد السلام رؤوف يقول ان العراقيين شاركوا في تحرير مصر من الاحتلال الفرنسي. وجالت في ذهن الدكتور عماد، من فوره، قصة هذا المقال، مع أنه لم يكن كاتبه، وإنما كان تصريحاً أدلى به لصحفي عن عثوره على وثيقتين من العصر العثماني بين ملفات المحكمة الشرعية في بغداد، تشيران إلى تشكيل قوة من المتطوعين من ولاية بغداد للمشاركة في الجهد العسكري العثماني من أجل تحرير مصر من الفرنسيين، وهو المقال الذي قرأه الرئيس، ويبدو أنه أثار اهتمامه. وطلب من صاحب المذكرات أن يلخص له الموضوع فلخصه، وطلب منه أن يرسل اليه، فيما بعد، دراسة حول هذه المشاركة مع صورة الوثيقتين، ففعل ذلك وتم إدخال فقرة بشأنها في كتب التاريخ المنهجية ومنها المقررات الجامعية.

انتهز الدكتور عماد الفرصة فأخبر الرئيس بموضوع اكتشافه قبر الخليفة العباسي المستعصم بالله، ولخص له النصوص والأسانيد التي اعتمدها في تعيين موضع هذا القبر، واكد في حديثه على معنيين، أولهما أن المستعصم هو آخر رموز العراق المستقل، وأنه كافح من أجل الدفاع عن العراق ما استطاع ذلك، ولكن الظروف كانت اقوى منه ومن إمكانات العراق في تلك اللحظة التاريخية التي كان يمر بها، وثانيهما أن عناية كنته، زوجة ولي عهد الخلافة العباسية، شاه لبنى شمس الضحى الأيوبية بإعادة دفن جثمانه، واختيارها أن تدفن الى جانبه، يمثل وحدة البيتين العباسي والايوبي، وأن قبرها يمثل آخر الرموز المادية للسلطان البطل صلاح الدين الايوبي، وختم حديثه بطلب أن يجرى اهتمام بالقبرين والمشهد بوجه عام، وأن يصار الى تكليف الهيئة العامة للأثار بعمل مجسات في المنطقة للتأكد من وجود القبور على الصفة التي ذكرتها المصادر، ولاكتشاف المنشآت المهمة التي أنشأتها شاه لبنى الأيوبية في المنطقة المذكورة، ومنها مدرسة عرفت بالعصمتية، فأيد الرئيس الفكرة وتحمس لها فعلا، وأمر بالاتصال بكل من الدائرة الهندسية في ديوان الرئاسة ووزارة الأوقاف والهيئة العامة للآثار لاستملاك الأرض المحيطة بالمكان، والقيام بالمجسات الآثارية، وإعداد التصاميم اللازمة للمشهد. وفي الوقت نفسه فأنه طلب من الدكتور رؤوف ان يبعث اليه بدراسة أخرى عن هذا الموضوع ففعل.

وفي 1/9/1998  نشرت الصحف خبراً بعنوان “القائد يأمر بتعمير قبر المستعصم بالله آخر خلفاء الدولة العباسية” وأوردت فيه أن “وزارة الأوقاف والشؤون الدينية وضعت التصاميم الهندسية اللازمة وستشرع بتنفيذ أمر السيد الرئيس ضمن خطتها للعام القادم ليظهر على النحو اللائق بصاحبه، وشمول المنطقة كلها بالتطوير الشامل.. وكان الدكتور عماد عبد السلام رؤوف قد أعد دراسة مستفيضة عن قبر المستعصم بالله، ورافق بعثة الاتحاد في تحديد مكانه في شارع عشرين في منطقة الأعظمية”.

بدأت الاثار بعمل المجسات واستغرق عملها نحو سنة، اكتشفت خلالها أسس ثلاثة قبور كبيرة متجاورة ترقى الى العهد المغولي الايلخاني، أحدها رئيسي يقع تحت قبة المشهد بالضبط، وهو قبر المستعصم، والآخر في جداره، والثالث مقابله. وهذه هي صفة قبور المستعصم وكنته شاه لبنى وابنتها رابعة، وكان مما اكتشفه صاحب المذكرات أيضا مقبرة جماعية تضم عدداً كبيراً من العظام البشرية لأجداث وضعت على غير ترتيب، يظهر أن أصحابها ماتوا اثر وباء جارف، أو قتل جماعي لسبب من الأسباب التي سكت عنها التاريخ.

خير جليس في الحرب

يتحدث الدكتور عماد عبد السلام رؤوف عن مخطوطة حققها من تأليف السيد محمد سعيد الراوي المتوفى سنة 1936 ،عنوانها تاريخ الأسر العلمية في بغداد، فشرع بها في الوقت الذي اندلعت الحرب على العراق سنة 1991،  وأخذت الطائرات الامريكية والبريطانية تدك بغداد بالقنابل والصواريخ بينما كان منصرفاً تماماً إلى تحقيق هذا الكتاب،

يقول: في الحقيقة كان الانصراف الكلي الى تحقيق الكتاب يمثل نوعاً من الهروب من عالم الحرب الى عالم الماضي الوديع، وفي الوقت الذي كان الناس منشغلين بتتبع أخبار الحرب متسمعين ما كانت تذيعه الإذاعات الأجنبية، كنت منشغلا بكتابة هامش في توضيح معلومة وردت في المخطوط، من معلم خططي، أو ترجمة لعالم، أو تعريف بكتاب، وكأني لا أعيش في العالم الذي تدور فيه تلك الحوادث المدلهمة، أو كأني فككت اتصالي، إلى حد ما، بذلك العالم. وفي ذات يوم فكرت ان آخذ كتابي وبعض مصادري وأذهب إلى ملجأ قريب أعرفه حيث أنعم بضوء كهربائي مستقر، وأمان مريح يسمح بالعمل ولو لساعات الليل، وما إن توجهت إلى غايتي حتى نقل لي أحد المارين الخبر المفجع، لقد قضت الطائرات الأمريكية على هذا الملجأ ودمرته بالكامل، وقتلت كل من فيه، لقد كان الملجأ هو ملجأ العامرية، وكان محتوما علي أن اشارك أولئك الشهداء مصيرهم لولا لطفه تعالى.

يواصل: أخيراً فرغت من تحقيق الكتاب ولم تنته الحرب بعد، فلم أجد ما يشغلني عنها غير كتاب آخر كنت قد بدأت بتحقيقه ثم توقفت، منذ مدة، فرأيت أن أستفيد من الوقت الضائع بأن أكمل تحقيقه، وسميته تاريخ بيوتات بغداد في القرن الثالث عشر تأليف عبد الرحمن حلمي السهروردي، وأهميته تكمن في أنه يكشف عن حوادث غير معروفة حدثت في نهاية عهد المماليك في بغداد سنة 1247هـ/ 1831م، وفيه تفاصيل مهمة عن أسر بغداد وتبيان لدورها السياسي والاجتماعي في خضم تلك الحوادث، وبدأت باستنساخه بهدف تحقيقه، ولم أجد لدي من الوقت إلا ساعات الخفارة في الكلية، حيث فرض علينا الوزير عبد الرزاق الهاشمي، نحن الأساتذة أن نتناوب على الخفارة أسبوعياً، ولما لم يكن ثمة عمل يؤديه الخفير في تلك الساعات، إلا عدّها، فقد أفدت من الوقت المضيع عبثاً باستنساخ ذلك الكتاب، حتى أنهيته، ثم شغلتني عنه الظروف، حتى إذا قامت الحرب، وبقيت لدى فسحة من الوقت في أعقابها، عكفت عليه تحقيقاً وتعليقاً حتى أنهيت تحقيقه، ووضعت له مقدمة تتناول أهميته وترجمة لمؤلفه، ولما كان مؤلفه قد أغفل وضع عنوان له، فقد سميته بذلك العنوان المتقدم، وبقي في خزانتي ينتظر فرصة لطبعه في ظل ظروف بالغة السوء، وبعد ست سنوات من انتهاء الحرب، عرض علي الصديقان الاستاذ محمد الخاقاني والصحفي سلام الشماع أن يتوليا طبعه في مكتب للنشر اسسه أولهما في حي الكرادة ببغداد، فوافقت، وأضفت إليه ملحقاً طويلاً تضمن جدولاً بأسماء الأسر البغدادية وتواريخها وأسماء أعلامها استخرجتها من سجلات الاوقاف، وطبع الكتاب فعلاً ونفدت نسخه بعد وقت قصير.

عبث الكتابة في زمن الجهالة

ترصد المذكرات ظاهرة مهمة برزت خلال فرض الحصار الأممي على العراق، يشرحها الدكتور رؤوف بالقول: “أصبحت الكتابة في عقد التسعينات في العراق، نوعاً من العبث في نظر الطبقة الجديدة التي ظهرت بعد أم المعارك، أي حرب الخليج الثانية لسنة 1991، فقد انحط شأن الكتاب في ذلك العقد انحطاطا عجيبا، حتى أني أذكر أن أحد المثقفين العرب، وقد زار بغداد، عهد ذاك، أبدى تعجبه من أكداس الكتب التي وجدها تباع على أرصفة شارع المتنبي في يوم جمعة صحبته فيه، فتصور أن كثرة الكتب المعروضة ظاهرة تدل على ارتفاع أعداد المثقفين في العراق، لكني أخبرته أن الأمر بالعكس مما تصوره، فهذه الكتب كان يعرضها المثقفون الذي أصبحوا لا يملكون، ليقتنيها آخرون يمتلكون ولكنهم لا يقرأون، فقد أدت تداعيات الحصار الذي ضرب على العراق وانهيار سعر الدينار العراقي إلى إفقار الطبقة الوسطى، وهي الطبقة المنتجة للثقافة والمستهلكة لها، فأصبح الكتاب مجرد سلعة بائرة، إن وجدت من يشتريها فلكي يضعها كديكور لا ليقرأها.

مشاهد ومعالم

من الأسرار التي تكشف عنها المذكرات اهتمام الرئيس الراحل صدام حسين بقبور المشاهير والأولياء والصالحين وتعيين مواقعها.

يقول كاتب المذكرات: لم أكن أدري، على وجه التحديد، الدوافع التي كانت تدعو صدام حسين للاهتمام بتعيين قبور المشاهير والأولياء والصالحين في بغداد أو في خارجها، فمنذ أوائل الثمانينيات، كان وزير الأوقاف، وهو، يومذاك، عبد الله فاضل، يرسل إليَّ كتبا تبدأ بالعبارة وجَّه السيد الرئيس إلى القيام بدراسة عن قبر فلان ومن تلك القبور مثلا قبر ابو نواس، وقبر الجنيد، وقبر بهلول، وقبر منسوب الى من يدعى أبو خلخال في شمالي تكريت، وقبر منسوب إلى السيد أحمد بن السيد حسن المثنى، في قرية جبة، وآخر لشعيب في ديالى، وقبر عمر الأشرف في ذي قار، وغير ذلك. والغريب أن هذه الكتب الرسمية كانت تصلني إلى الكلية وهي في ظرف مغلق كتب على طرفه عبارة سري، شخصي، على الفور، وكنت استغرب هذه الألفاظ، فالقبور تزار عادة ومن ثم فلا سرية فيها، وزيارتها عامة، فلا يتوفر فيها جانب شخصي طبعا، وهي موجودة في مكانها منذ أن دفن فيها أصحابها فلا ينتظر منها أن تغير أماكنها مثلا حتى يبرر ذلك عبارة على الفور لتوخي السرعة في الإجابة. وزادت هذه الكتب مع الوقت حتى لم يكن يمر شهر إلا وأكلف بإعداد دراسة أو تقرير دقيق في مصادره وأسانيده عن هذا القبر او ذاك، ولم يخل ذلك من جهد ووقت.

لو جمع الدكتور عماد عبد السلام رؤوف ما قدمه من هذه الدراسات لشكلت كتاباً، ولكنه كان مطمئنا إلى أن الفرصة متاحة لجمعها فهي محفوظة بعناية في وزارة الأوقاف في باب المعظم، إلا أن تدمير هذه الوزارة وحرقها في أثناء الاجتياح الأمريكي لبغداد أودى بتلك الدراسات مع الأسف.

يواصل: قدمت إلى بيت الحكمة عدداً من الدراسات الخططية التي تختص بمشاهد وقبور داثرة، وكنت استهدف منها تعيين مواقع جديدة، أو إحداثيات، على خارطة بغداد، يمكن أن تساعد في إغناء معلوماتنا عن خطط المدينة في العصور العباسية، وقد كشفت كل دراسة عن موضوع بذاته، فواحدة عينت فيها موضع قبر المؤرخ الطبري، من خلال دراسة مفصلة عن خطط محلات الرصافة القديمة، وهي الأعظمية اليوم، وقد ترجح عندي، في حينه، أنه كان يقع في حديقة صغيرة تطل على شارع عشرين، تسمى اليوم حديقة الرحبي، فدعوت إلى إقامة شاخص هناك يذكر الناس بقيمة هذا المؤرخ المفسر العظيم، كما قدمت دراسة أخرى عن تعيين موضع قبر الإمام أحمد بن حنبل، وكان قد دفن في مقابر باب حرب، وتأكد لي أن هذه المقابر كانت تقع في الشمال الغربي من قصبة الكاظمية الحالية، وتحتل موقعها اليوم مقبرة الهبنة، فيسر ذلك تعيين القبر، بافتراض أنه يقع في أعلى نقطة في هذه المقبرة، التي هي النقطة المركزية فيها، ذلك أن قبره كان سبباً في كثافة الدفن عنده، وارتفاعها عما سواها من أرض المقبرة الأخرى. ودراسة أخرى توصلت فيها الى تعيين مواضع قبور الخلفاء العباسيين، وذلك بتحديد مقبرة ترب الخلفاء في الرصافة، كما كانت تسمى في عصرهم، وهي تحتل اليوم المساحة الممتدة بين حديقة النعمان في الأعظمية واعدادية الأعظمية للبنات، واقترحت إقامة شاخص تذكر فيه أسماء الخلفاء المدفونين في هذا المكان وتعريف بهم، وغير ذلك من الدراسات، ثم أني علمت أن بعض الكتاب أخذ يعيد نشر هذه الدراسات باسمي من دون اشارة إلى ما بذلته من جهد فيها.

 استشارات غريبة

 اعتاد الدكتور رؤوف أن يتلقى، من حين الى آخر، أنواعاً مختلفة من الأسئلة، من جهات عليا، بعضها غريب فعلا، وكانت عليه الإجابة عنها، فمن تلك الأسئلة مثلا: توضيح قبائل العرب النصرانية في فتح تكريت 1/10/1999 ومتى ظهر تقليد إطلاق المدفعية قذائفها في الاحتفالات، وما هو عدد ما اعتيد على إطلاقه؟ وما إلى ذلك. وهو يذكر أن رجلاً قدم دراسة للرئيس صدام حسين يقترح فيها إلغاء رمز النسر من شعار الدولة، وإبداله بالصقر، فما كان من صدام إلا ان يحول الدراسة الى وزارة التعليم العالي، التي حولته، بدورها، الى جامعة بغداد، ومنها الى مركز إحياء التراث العلمي العربي، وكان رؤوف، يومذاك، رئيساً له، وقرأ الدراسة فوجدها مبنية على أساسين، أولهما أن من شأن النسر أن يقتات على بقايا الرمم، على خلاف الصقر، وثانيهما أن النسر طائر غريب عن منطقتنا، لا يزورها إلا مهاجرا أو ماراً بها، فلاح له ان كاتبها تنقصه دراية في التاريخ، فاستدعاه، وبعد نقاش قصير وجد ان دوافعه غير علمية، وإنما هي تدخل في نطاق طلب الشهرة لا أكثر، مقدراً كم سيكلف تنفيذ هذا المقترح من مال إذا ما أبدلت شعارات الدولة، لا سيما في الجيش، فكتب دراسة مقابلة أثبت فيها أن العقاب، وهو النسر نفسه، لا سيما الذهبي منه، كان رمزا لكثير من الدول الإسلامية، بل أنه كان اسماً لإحدى رايات الرسول الكريم ص وشعارا للقائد الأيوبي صلاح الدين. ويبدو أن دراسته كانت مقنعة إذ ماتت فكرة التغيير مرة واحدة، وخاب أمل مقدمها في الشهرة أو التكريم.

دور مهم

ومن تلك الاستشارات الغريبة أن كاتبا من البصرة، يدعى حامداً، كتب في جريدة القادسية، وهي جريدة القوات المسلحة، مقالاً يذكر فيه أن جداً لصدام يدعى ناصرا كان أميراً على البصرة، ونسب إليه دوراً مهماً في الدفاع عن هذه المدينة ضد الفرس والعثمانيين معاً، في غضون القرن السادس عشر، ولذلك فهو يطالب بتخليد اسم ناصر المذكور بإطلاقه على أحد معالم البصرة المهمة، كالجامعة مثلا، فما كان من صدام إلاّ أن طلب من لطيف نصيف جاسم، بوصفه وزيراً للثقافة والاعلام، رأيه في هذا المقال، والواقع كان الأمر محرجاً لكل من طلب منه الادلاء برأيه، فمثل هذه المقترحات التي تتعلق بنسب صدام كان ينظر إليها بجدية كبيرة، وشاء حظ رؤوف أن يقع اختيار الوزير عليه وعلى اثنين من أصدقائه، هما الدكتور محمد المشهداني وعبد الحميد العلوجي ليقدموا رأيهم في الأمر.

كان رؤوف مدركا أن فكرة ناصر هذا لم تكن تقوم على اي أساس تاريخي سليم، وأنه لا دليل على وجوده أميرا في البصرة في ذلك التاريخ، وأن بواعثها لم تكن علمية بأية حال، فطلب أن تيسر لهم رحلة علمية الى البصرة لمراجعة مكتبة آل باش أعيان وقد تأكد له صحة تصوره بانتفاء رواية كاتب المقال من كل وجه. وحينما عادوا الى بغداد، طلب رؤوف استدعاء صاحب المقال للاستفسار عن مصدره في هذه الرواية، وحضر فعلاً ولم يكن يتوقع إلا أن يشكر ويكرم على اكتشافه هذا، الا انه فوجئ برؤوف يسأله عن مصادره، ولما لم يبرز شيئا يعتد به، قال إنه مؤرخ ومن حق المؤرخ أن يجتهد، وهذا الأمر من اجتهاده، فسأله رؤوف عن شروط الاجتهاد وأنواعه، فظهر أنه لا فكرة لديه عن الاجتهاد كله، وعليه ختم الأمر بكتابة تقرير يفيد بعدم صحة هذه الدعوى من أساسها، ووقع زميلاه عليه، وقدموه إلى الوزير الذي رفعه إلى صدام، والظاهر أن التقرير كان مقنعاً إلى الحد الذي لم يعد أحد يسمع شيئا عن الموضوع، وهكذا خابت آمال كاتب المقال في تكريم كان يتوقعه.

من الأحداث الأخرى التي ترويها المذكرات أن بابا الفاتيكان يوحنا بولس السادس أراد، في ايلول من سنة 1999 ، أن يزور العراق لـ”يمشي في خطى الأنبياء”- على ما قيل في ذلك الوقت – فكلف وزير الأوقاف صاحب المذكرات بإعداد دراسة مركزة عما تبقى من تلك المشاهد، فانصرف إلى إعداد هذه الدراسة لتشمل مجموعة من الأماكن التي نسبت إلى بعض أنبياء العهد القديم، وبعضها لم يكن مؤكداً، أو غير صحيح بالمرة، ثم علم رؤوف أن أصل هذا التكليف من ديوان الرئاسة الذي كان مهتماً بإنجاح هذه الزيارة وبعدها اعتذر البابا وانتهى الأمر.

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الثلاثاء, 28 أيلول/سبتمبر 2021 05:11

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه