ardanlendeelitkufaruessvtr

ليبيا القادرة على إسعاد شعبها

بقلم الحبيب الأسود أيلول/سبتمبر 28, 2021 307

ليبيا القادرة على إسعاد شعبها

الليبيون عليهم أن يودعوا زمن الشعارات والانقسامات وأن يتقابلوا على هدف توحيد الجهود من أجل ترسيخ قيمة العمل والتعامل إيجابيا مع المحيط الإقليمي والدولي وأن يطووا صفحة الماضي الأليم نهائيا.

قادرون على تجاوز الأزمات

مؤتمر استقرار ليبيا الذي سينعقد في الحادي والعشرين من أكتوبر القادم من الداخل الليبي وبتنظيم وإشراف ليبيين وبحضور دولي واسع، سيكون دون شك مناسبة مهمة للإعلان عن دخول البلاد مرحلة مهمة في تاريخها، حيث تأتي بعده بشهرين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، والتي في حال نجاح تنظيمها سيكون الجميع أمام رهان الاعتراف بنتائجها والقبول بها، وهو الشرط الذي يُراد للجميع التوقيع عليه والالتزام به.

أغلب الفاعلين في الداخل والخارج يخشون تكرار أزمة 2014 عندما انقلب الإسلاميون على نتائج الانتخابات التشريعية ودفعوا من وراء الستار إلى اندلاع حرب أهلية قادتها منظومة فجر ليبيا الميلشياوية لاحتلال العاصمة والسيطرة على مؤسسات الدولة والتوسع عبر المدن والقرى وصولا إلى سرت سعيا إلى بسط النفوذ على الهلال النفطي، وهو ما أدى لاحقا إلى الدخول في حوار سياسي نتج عنه اتفاق الصخيرات الذي كان هدفه الأساس إعادة تدوير الإخوان من خلال مجلس الدولة الذي لا يزال إلى اليوم يعرقل بنود الحل.

يستطيع الليبيون حلّ مشاكلهم ولو بالاعتماد فقط على الأعراف الاجتماعية، وأثبتت التجارب أنهم قادرون على تجاوز أصعب الأزمات بجلسة ودية في “مربوعة”، لكن شريطة ألا يكونوا تحت ضغط التدخل الخارجي، لاسيما من قبل الأطراف التي تعمل على توجيه الأحداث وفق مؤشرات مصالحها الخاصة. فمنذ العام 2011 والبلاد تحت وطأة تدخلات أجنبية سافرة بدأت بالتحالف لإطاحة النظام الجماهيري، ثم اختلفت حول تقاسم الغنيمة، وكان واضحا أن إسقاط النظام تطلّب إسقاط الدولة التي كان يكسوها بكسائه العقائدي، وهو ما دفع بالقوى الدولية إلى تقديم تيارات راديكالية إلى السلطة لاجتثاث العقيدة السابقة بأدوات داخلية وبغطاء خارجي. ورغم ضعف حضور الإسلاميين في مجتمع محافظ بطبعه، سعت قوى خارجية إلى تكريسهم كقوة أساسية في التوازنات السياسية بالبلاد.

كان المجتمع الدولي وراء تقسيم المجتمع المحلي بين ثوار وأزلام، وبين أنصار للديمقراطية ومدافعين عن الدكتاتورية، وبين مدن منتصرة بقوة السلاح وأخرى منهزمة، وبين وحدويين وفيدراليين، وشرق وغرب، وجيش وميليشيات، وإسلاميين وعلمانيين، وبين ثورة وثورة مضادة.

ولكن تتابع الأحداث أثبت أن لا أفق لتلك التقسيمات المسقطة، وأن الليبيين يستطيعون عندما تتوفر لهم الفرصة حل مشاكلهم بأنفسهم، فليبيا لم تكن في يوم من الأيام دولة واحدة قبل 70 عاما، واسمها المتداول حاليا يعود إلى ما قبل الآلاف من السنين عندما كان يطلق على سكان المنطقة ما بين حدود مصر الغربية والمحيط الأطلسي اسم قبائل الليبو، وهم الأمازيغ، وما عرف لاحقا لدى المؤرخين بالليبيين أو اللوبيين، ولم يعد للظهور إلا في الثلاثينات من القرن الماضي من قبل الإيطاليين بعد توحيد مستعمراتهم في طرابلس وبرقة وفزان. وبعد الحرب العالمية الثانية كان للأمم المتحدة الدور الأساس في تأسيس الدولة من الأقاليم التي كانت خاضعة آنذاك لسيطرة الحلفاء (بريطانيا في برقة وفرنسا في فزان مع بقاء طرابلس تحت سلطة إيطاليا).

شكل توحيد الغزاة الإيطاليين لبرقة وفزان وطرابلس تحت سلطتهم الاستعمارية واعترافهم باستقلالها وفق اتفاقية السلام مع الحلفاء في العام 1947 منطلقا لليبيا الحالية، ولكن ذلك تطلب تضحيات من الآباء المؤسسين عندما انخرط الجميع دون حسابات جهوية أو مناطقية أو قبلية في كتابة الدستور المؤسس للمملكة الليبية الموحدة. وعندما قبل الطرابلسيون والفزانيون الخضوع لحكم الأمير القادم من برقة إدريس السنوسي، وألغت تعديلات 1963 الحكم الفيدرالي وأسست للدولة الواحدة الموحدة، وحتى عندما جاء الضابط الشاب معمر القذافي، وهو في السابعة والعشرين من عمره متحدّرا من قبيلة بدوية صغيرة، ليحكم البلاد بداية من العام 1969، لم يؤثر ذلك على وحدة البلاد، بل زاد من تدعيم أركانها تحت سلطة مركزية قوية.

عندما سقط النظام في العام 2011 لم يبدِ الليبيون أي رغبة في الانقسام أو التشتت، ولكن صراع النخب السياسية الجديدة وأمراء الحرب من صنيعة التدخل الخارجي على السلطة باعتبارها تؤدي إلى بسط النفوذ على الثروة ومفاتيح المصرف المركزي وعقود الاعتمادات، هو الذي كان وراء المواجهات الدامية وتمزيق أواصر المجتمع. وأدى انقلاب النخب القادمة من الخارج أو الخارجة من السجون أو الباحثة عن فرض الانقضاض على النخب السابقة، إلى اعتماد منطلق المغالبة والترويع والإقصاء والتهميش الممنهج لأغلب القبائل والمناطق والمدن، وواجه الليبيون تبعا لذلك معاناة عادت بهم إلى ما قبل بناء الدولة في العام 1951، وقبل بدء إنتاج النفط أوائل الستينات.

اليوم، هناك عودة للاهتمام بأحوال الليبيين، وهناك وعود وتعهدات من السياسيين بإعادة بناء الدولة وتحقيق المصالحة وتدشين مشاريع التنمية. والسبب الحقيقي لذلك أن أي ليبي ومهما كان وضعه أو موقعه أو دوره، يستطيع من خلال رقمه الوطني أن يكون مؤثرا في نتائج الانتخابات التي يريد المجتمع الدولي أن تكون ساحة للصراع السياسي بدل أن تكون البلاد ككل ساحة للاحتراب الأهلي، وهذا في حد ذاته أمر مهمّ، ولاسيما إذا عرفنا أن البلاد الممتدة لمسافة ألفي كلم على ساحل المتوسط والمحادّة بريا لست دول، وذات المساحة الشاسعة التي تصل إلى مليون و760 ألف كلم مربع، والتي لا يتجاوز عدد سكانها سبعة ملايين نسمة، تختزن في أرضها وبحرها وسمائها ثروات طائلة تبدأ من النفط والغاز والذهب واليورانيوم والحديد والسيلكون والفوسفات وغيرها والثروات الزراعية والحيوانية والسمكية وصولا إلى الطاقات البديلة، ما يجعلها قادرة على أن تكون واحدة من أغنى دول العالم، وعلى أن توفر الرفاه لشعبها، وتساعد على حل مشاكل دول الجوار، وعلى أن تكون سوقا مهمّا في الإقليم، وفضاء واسعا للاستثمار والتبادل التجاري بين أوروبا وأفريقيا وبين المشرق والمغرب العربيين، كما يمكنها أن تتحول إلى واحدة من أهم الدول استقطابا ليس فقط للخبراء واليد العاملة المدربة ولكن كذلك للسياح والمستثمرين.

إن مؤتمر استقرار ليبيا، المقرر انعقاده في الحادي والعشرين من أكتوبر، يستدعي أن يكون جامعا لكل الليبيين وأن يتخذ بعدا أمنيا وسياسيا وآخر اجتماعيا، وأن يكون أساسه إعادة بناء جسور الثقة بين مختلف الأطراف، وأن ينبني على فكرة أن تكون ليبيا واحدة بالجميع وللجميع، وأن يتأسس على مبدأ إعادة الأمل للشعب في وطن يجعل من التوافق بابا للوحدة ومن الاقتصاد قاطرة للسياسة، ومن التنمية عقيدة للدولة، ومن توفير الرفاه رؤية وهدفا لأي سلطة قادمة، على أن تتحول البلاد إلى ورشة عمل في كل المجالات سواء كان ذلك من خلال الاستثمار الوطني أو الأجنبي، ففي كل ناحية من ليبيا هناك ما يجلب الاهتمام ويمكن أن يكون منطلقا لصناعة الثروة.

على الليبيين أن يودعوا زمن الشعارات والانقسامات والصراعات وأن يتقابلوا على هدف توحيد الجهود من أجل ترسيخ قيمة العمل المشترك والتعامل إيجابيا مع المحيط الإقليمي والدولي، وأن يطووا صفحة الماضي الأليم نهائيا.

عندما يتحقق الرفاه الاجتماعي ستتحقق الديمقراطية الحقيقية، فالشعوب المستقرة والسعيدة والمطمئنة على حاضرها ومستقبلها هي التي تعرف كيف تشكّل خياراتها وتحصّن ديمقراطيتها وتحقق موقعها اللائق بها فوق الأرض وتحت الشمس.

الحبيب الأسود

كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It