جريمة فيدرالية

بقلم إبراهيم الجبين تشرين1/أكتوير 29, 2021 214

جريمة فيدرالية

في الشهور الماضية عبّر "تيمور" القط الزنجبيلي الذي يعيش معنا، مراراً عن رغبته الملحّة في الخروج من المنزل طمعا في الفلتان الأمني وبحثاً عن القطط الحسان، وبعد تفكير اهتديت إلى حيلة قديمة سار عليها الأجداد.

"تيمور" صار أحد روّاد السوشيال ميديا

قاتل الله الفيسبوك وأشقاءه من وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أعاد لي سيرة أبي القاسم الطنبوري وغرضه الشهير الذي كلما أراد التخلّص منه رجع إليه من جديد. وفي الشهور الماضية عبّر ”تيمور“ القط الزنجبيلي الذي يعيش معنا، مراراً عن رغبته الملحّة في الخروج من المنزل، لا زهداً في الدلال والألعاب والأطعمة، بل طمعا في الفلتان الأمني وبحثاً عن القطط الحسان.

ولما رأيت أن حالته باتت جنونية، رّق قلبي لتوقه إلى الحرية، فأتحتُ له ذلك. فصار يخرج نهارا ويشرّفنا بالحضور ليلا، ليأكل وينام. ولكن هذا ليس معقولاً، فالبيت بيت وليس فندقاً، ونحن لا ندري ما الذي يحصل في الخارج، وأعراض قطط الناس ليست لعبة. وبعد تفكير اهتديت إلى حيلة قديمة سار عليها الأجداد، بأخذ القط بعيداً وتركه، فإن عاد، كان بها، وإن لم يعد فهذا يعني أنه وجد مكاناً أهنأ.

وعلى مبعدة عشرة كيلومترات تقريباً، أنزلته من السيارة مع الكثير من علب اللحم الشهية المفتوحة. فانطلق يتقافز. ناديته للمرة الأخيرة مودّعاً، لكنه لم يلتفت نحوي. فقلت الحمدلله قُضي الأمر. وخيّم الحزن على البيت، ولم ينقطع ذكر القط وتأمّل صوره على الجوالات والأجهزة اللوحية، إلى أن لاحقني الشعور بالذنب حتى إلى المنامات والكوابيس.

وبعد شهر فاجأني أحد الجيران هامساً ”لقد ارتكبتَ جريمة فيدرالية“! قلت ”أنا؟ كيف؟“ قال ”وضعتَ قطّك في صندوق وألقيت به في الغابة ليكون مصيره الموت بين أنياب الوحوش!“. فقلت “يا أخي، لا صندوق ولا وحوش. لقد تركته يمضي في حال سبيله فقط، من أين أتيت بهذا الخيال؟“. قال ”لا ضرورة للتهرّب من فعلتك الشنيعة. كان بوسعك أن تعرضه للتبنّي. عموماً أنا سوف أتستّر عليك. لكن انتبه فالفيسبوك ضجّ بالحادثة“!.

الفيسبوك؟ سألته. قال "نعم. انظرْ". وعرض عليّ إعلاناً منشوراً على صفحة فيسبوك لسيدة من هواة تسلّق الجبال، فيه صورة ”تيمور“ مع ”بوست“ باللغة الألمانية يقول ”إن هذا القط المسكين تم العثور عليه في مدينة كذا، وعلى من يتعرّف إليه التواصل معنا لإنقاذه“. بينما ظهر هو في الصورة حزيناً دامع العينين.

يا للفضيحة. وصلت بك الأمور إلى الفيسبوك يا ”تيمور“؟

ما العمل؟ جريمة فيدرالية! وفيسبوك! وبعد تفكير وتدبير وسلسلة من الاتصالات عبر مسنجر وواتس أب، أخبرتني صاحبة الإعلان أنها سعيدة لكوني أبحث عن القط، وهذا يدلّ على تعلّقي الشديد به، فعبّرت لها عن شوقي الحار إليه وألمي لفراقه طيلة الفترة السابقة، فقالت إنها سوف تحضره بأسرع وقت، وأرسلتْ إليّ صورة حديثة له، وكان القطّ في الصورة الرقمية يبتسم لي بمكر، بعد أن طنبرنا وصار، هو الآخر، أحد روّاد السوشيال ميديا.

إبراهيم الجبين

كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه