ardanlendeelitkufaruessvtr

أسوأ الجيّد

بقلم إبراهيم الجبين تشرين2/نوفمبر 12, 2021 462

أسوأ الجيّد

هناك صحة عقلية وهناك صحة سياسية وهناك صحة أدبية وموسيقية وكلّها تتعرّض للغزو تحت اسم الفتح الصحي والتنوير بالمكملات.

التوازن المطلوب يبقى كالسير على الحبال

لم يكن ينقصنا سوى فلسفة "أسوأ الجيد" وهذا لعمري نمط جديد من الخطاب لم يكن من السهل على العقل القبول به. فقد سمعنا من قبل عن أجود السيء، وأفضل الموجود. لكن أسوأ الجيد هذا منطق جديد لم يخطر ببال بشر. ما الداعي إلى ذلك؟ العلم دوماً هو القائد، وهو الذي يفتح أبواب الخروقات اللغوية والفكرية، وقد تفتحت قريحة العلماء مؤخراً عن مادة جديدة تعتبر أسوأ ما يمكن أن ينصح به الأطباء، وهي الفيتامين المدمّر.

تقول مجلة "إيت ذيس نوت ذات" أي "كُل ولا تأكل" بعد التعريب، إن أسوا أنواع مكملات "فيتامين سي" هي تلك التي تحتوي على جرعات عالية جدا من الفيتامين. واستناداً إلى خبيرة شهيرة فإن جرعات مكملات “فيتامين سي” في الأقراص أو الحبوب تتراوح ما بين 25 مليغراما إلى 1500 مليغرام لكل وحدة. والبشر يحرصون في هذا البرد القارس على تناول المكملات بجرعات عالية جدا. ولكن هذا برأيها لا يجوز أن يستمر، إذ لا يجب تجاوز الجرعة 2000 مليغرام يوميا.

أما المعهد الوطني للصحة في أميركا فيقول ما هو أشدّ وطأة، إذ يوصي بجرعة تصل إلى 75 مليغراما للنساء البالغات و90 مليغراما للرجال البالغين، زاعماً أن هذا يكفي وأننا لا يصحّ أن نبالغ في حقن أنفسنا بالفيتامين.

تفسير ذلك يعود إلى أن قدرة أجساد البشر على استيعاب الفيتامينات محدودةٌ، وأن كل ما لا نستطيع هضمه سيتحول إلى سموم ضارة بالنظام. والنظام غير قادر على امتصاص أكثر من 50 في المئة من هذه الكميات. لكن أين ستذهب الـ50 في المئة الثانية؟

الإفراط في تناول ”فيتامين سي“ سيؤدي إلى نتائج مثل هذه التي سأوردها؛ الصداع والغثيان وترقّق العظام وأمراض العيون وتلف الكبد واهتراء المعدة. وهذا كلّه لأننا بالغنا في دعم الصحة وتعزيزها بالمكملات.

العبرة من ذلك أن التركيز الكبير على كل شيء يبدو أنه يعطي نتائج غير محمودة، دعنا نفكّر في بقية النواحي، لا الصحة الجسدية وحدها. هناك صحة عقلية وهناك صحة سياسية وهناك صحة أدبية وموسيقية وكلّها تتعرّض للغزو تحت اسم الفتح الصحي والتنوير بالمكملات. ناهيك عن الصحة الاجتماعية التي يشحنها البشر اليوم بالاحتشاد والتشويش، إلى جوار الصحة الروحية التي تعصف بها الأفكار الغيبية. ومعها الصحة اللغوية التي تدمّرها الثرثرة والحشو.

في النهاية كله جيد. لا خلاف. لكنه أسوأ الجيد. والتوازن المطلوب يبقى كالسير على الحبال، لا مفرّ منه. ولا بدّ من التدرّب عليه من طلوع الشمس إلى مغربها، فتعلّمْ كيف تنسى وتعلّمْ كيف تمحو، كما تقول أم كلثوم.

إبراهيم الجبين

كاتب سوري

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه