أنتم الناس أيها الشعراء

بقلم رباح آل جعفر تشرين2/نوفمبر 17, 2021 279

أنتم الناس أيها الشعراء

 

رباح آل جعفر

 

الشعراء هم الناس. أو الناس هم الشعراء. أجمل وأبلغ عبارة. لا هم ملائكة ولا قدّيسون. لكنهم أقدر الناس على الإحساس بعذاب الناس. أو كما قال أميرهم أحمد شوقي: أنتم الناس أيها الشعراء. رغم أنهم ممنوعون من دخول جمهورية أفلاطون الفاضلة!.

‏ولا أجمل من حديثهم، ولا أحلى من حكايتهم، ولا أروع من مجلسهم. هذا يدندن بأغنية، وذاك يقرأ في ديوان المتنبي، وهذا ينشد أشعار أبي نواس. وذاك ملتف بالسطر الأخير من القصيدة، وهذا تبكيه رسالة من قعر اليأس، وذاك تستدرجه كلمة ناعمة إلى قاع الهاوية.

‏وكل الشعراء يحلمون. بماذا يحلمون؟. إنهم يحلمون بدنيا من جبال الذهب وأنهار من الفضة، وبالعيون المستعارة من الليل ومن الحرمان، وبقمر يريدون أن يبقى بدراً في السماء.

‏وكلهم عشّاقٌ يتوجعون. هم يقولون آه وأنت تقول لهم الله الله. ونصفهم مجانين أو انتهت حياتهم إلى الجنون وأحياناً إلى الانتحار. ينحنون لكل ما هو جميل، ويتوضأون بالجمال، وبألوان من الغسق والشفق.

‏وأجمل قصيدة كتبها الشاعر اللبناني خليل حاوي هي انتحاره. والشاعر الروسي فلاديمير مايكاوفسكي انتحر برصاصة في القلب وترك وردة في كوب ماء وقصيدة لم تكتمل. والأديب الروسي نيقولاي غوغول أصيب بالجنون. والشاعر الروماني لوكريتيوس شنق نفسه. والشاعر الألمانى هولدرلين أصيب بالجنون. والأديبة مي زيادة التحقت بمستشفى الأمراض النفسية. والشاعر نجيب سرور دخل مستشفى الأمراض العقلية. وعباس محمود العقاد حاول الانتحار مرتين بعد أن ضاق بحياته وكتب رسالة إلى صديق يقول فيها: ساعدني ولا تهرب مني كما فعل آخرون. فأنا لا أجد قوت يومي!.

‏وكلهم محرومون من هوى ليلى ولا أحد يعرف من هي ليلى، وأين تقيم؟ وكلهم يبكون على عزّة، وعلى دار ميّة في العلياء، ويكتبون إلى بثينة رسائل غرام، ويتغزّلون بعيون جوليت، وآمال، وصوفيا، وعفراء، وميلينا.. يحاولون ولا أمل، ويحلمون بالعناق وبالقبلات. وبكلام رقيق عن الوجوه الناعمة، والشفاه المرفوعة، والوجنات المتوردة، وقصتهم أكبر من أيّ عذاب. يهربون من العذاب إلى العذاب، والألم عميق في نفوسهم المعذبة.

‏وفي الأدب العربي عدد كبير من الشعراء الشحاذين الذين لا شغل لهم إلا أن يمدحوا الناس أو يهجوهم. أشار لهم أستاذنا الدكتور جلال الخياط في كتابه “التكسّب بالشعر”. يتحايلون على الرزق بالكدية والتسول وبالمذلة ويطرقون كل باب. ويسفحون ماء وجوههم بمنتهى الهوان.

‏ومئات الشعراء عاطلون عن العمل. هم بعيدون عن الناس والضوضاء. يُقال إن أحد الولاة وجد شاعراً يجلس جوار مسجد وقد علّق خلف ظهره رقعة كتب عليها هذه الأبيات من الشعر:

‏يا ربّ إنـي سائـل كما تـرى

‏لابــسٌ جلبـابــي كما تـــرى

‏وزوجتـي قاعــدة كما تــرى

‏والبطنُ منّي خاليةٌ كما ترى

‏فما ترى يا ربّنا فيما ترى؟!.

‏فهجم عليه الوالي يضربه بعصاه، وهرب الشاعر يركض بنشاط وشباب، وفي طريق هروبه داس على أفعى فقتلها. وكان أهل المدينة يشكون كثرة الأفاعي، فنادى عليه الوالي وكافأه.. وفي اليوم التالي جمع الوالي الشعراء في مجلسه واقترح عليهم أن يقتلوا الأفاعي مقابل راتب شهري.. فاعتذروا!.

‏إنهم شعراء يحلمون وبس!.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه