محمد بن زايد يصفّر مشاكل صنعها آخرون

بقلم د. هيثم الزبيدي تشرين2/نوفمبر 30, 2021 209

محمد بن زايد يصفّر مشاكل صنعها آخرون

 

متى ما دعت الضرورة أو الأزمة الإماراتيون جاهزون لاتخاذ القرارات الصعبة، ثمة مرونة عالية في التعامل مع المتغيرات سواء أكانت رحيل رئيس أميركي متعاطف أم تقلبات عدو أو حليف.

مرونة إماراتية عالية في التعامل مع المتغيرات

بزيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي لأنقرة ولقائه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، تكون سياسة “تصفير المشاكل” التي تبنتها الإمارات منذ مطلع العام الجاري قد وصلت إلى ذروتها. كانت قمة العلا الخليجية محطة مهمة في المسار، إذ تركت الفرصة لقطر كي تعود إلى الإطار الخليجي العام تحت إشراف سعودي بعد سنوات من المقاطعة. سياسة تهدئة الخواطر قادت إلى هدوء نسبي على الجبهات الإعلامية، فيما عدا الاستثناء البحريني. ومهّد مستشار الأمن الوطني في الإمارات الشيخ طحنون بن زايد لأجواء “تصفير المشاكل” بجولات لا شك سبقها الكثير من الدبلوماسية والتواصل عبر أجهزة المخابرات.

ثمة هدوء على خط المواجهة مع إيران. الطرفان لا يريدان أي تصعيد. زيارة وزير الخارجية الشيخ عبدالله بن زايد لدمشق فيها الكثير من الدفع نحو إعادة تأهيل سوريا عربيًّا، لكن إيران ستنتقي ما تراه مناسبا لها من تلك الرسالة. لا توجد تقاطعات إماراتية في العراق. وأبوظبي نأت بنفسها إلى حد كبير عن الصراع المزمن في لبنان. بدأت من حيث ما خلصت إليه السعودية الآن.

لعل سياسة “تصفير المشاكل” قد بدأت أبكر مما يبدو واضحا الآن. قامت الإمارات بدور حاسم في حرب اليمن. أخرجت الحوثي من المناطق الجنوبية في وقت قياسي وقبل أن يرسّخ أقدامه. أسست لقوات عسكرية ضاربة من قوى جنوبية وغربية وشمالية. فهمت مبكرا عقم “الشرعية” وحجم الاختراق الإخواني لها. وعندما ساد نكران الجميل لغة التعامل مع “الشرعية”، انسحبت دون أن تخلف فراغا أمنيا.

في فبراير 2012، زار الشيخ محمد بن زايد أنقرة والتقى أردوغان وتم توقيع اتفاقية استثمار عملاقة بقيمة 12 مليار دولار لتوليد الطاقة في منطقة أفشين البستان. لا يمكن لأي مراقب منصف أن يقول إن مثل هذه الزيارة ومثل هذا الاستثمار الضخم يعدّان بادرة عداء أو بداية لمشكلة سياسية. هذه مبادرات تحلم بها الدول الطبيعية. لكن تركيا ليست بلدا طبيعيا. كانت قد بدأت بإظهار مرحلة هيستيرية رافقت صعود التيار الإخواني في المشهد العربي.

تركيا المكروهة في عالمنا العربي لتاريخها المعروف في المنطقة، أعاد تأهيلها الرئيس السوري بشار الأسد. أدخل أردوغان عالمنا بحفاوة استثنائية. تغيرت عقلية أردوغان ذي التأسيس الإخواني، من رئيس بلدية مصلح إلى محيٍ لأمجاد الإمبراطورية العثمانية. انفتحت شهيته وأدرك عناصر القوة التركية التي أسسها العلمانيون الأتراك من قبله. دخلت قطر على الخط واستفادت من هذا الصعود ومن التقارب مع سوريا. عندما حدثت الانفجارات الكبرى في المنطقة عام 2011، كتوابع للانفجار الأكبر بسقوط بغداد عام 2003، كان المشهد مهيأً لتركيا وقطر ودفع الأسد ثمن سياساته مع شعبه وأخطائه الإقليمية.

سياسة "تصفير المشاكل" بدأت أبكر مما يبدو واضحا الآن سياسة "تصفير المشاكل" بدأت أبكر مما يبدو واضحا الآن

المشروع الإخواني الذي يحمل الاسم الحركي “الربيع العربي” يحتاج إلى تمويل. قطر جاهزة ولكن لا تستطيع أن تقدم كل شيء. من هي الدول العربية الثرية؟ السعودية عام 2011 ليست السعودية اليوم. أقصى ما يتمناه الإخوان في تلك المرحلة هو عدم رصد النسخة السرورية لهم هناك وأن يستمر التمويه بالوهابية. ليبيا أصبحت في اليد. الكويت كانت في مرحلة تحوّل حرجة عندما انقلبت القبيلة بتسهيلات من أعضاء في الأسرة الحاكمة إلى مشروع سياسي إخواني. التمويل من مؤسسات كويتية للإخوان كان مستمرا أصلا. بقيت الإمارات. كانت الهدف رقم واحد لهم.

في الوقت الذي كانت فيه الإمارات تمد اليد لتركيا استثماريا، كان المد الإخواني المدعوم تركيًّا وقطريًّا في تزايد ملحوظ. تسلم الإخوان الحكم في مصر، وأصبح موضوع التمويل حرجا، وهنا بدأ الهجوم على الإمارات. الإمارات ردت بتنبيه السعودية إلى خطورة ما يحدث في مصر بدعم قطري وتركي وتساهل غربي تقوده إدارة أوباما. يتهم الإخوان الرياض وأبوظبي بالتحريض على حكمهم هناك والتسبب في تظاهرات المصريين العارمة، ثم سقوط الرئيس المصري محمد مرسي على يد الجيش. ماذا كانوا ينتظرون؟

اعتبرت تركيا نفسها في حرب مفتوحة مع الإمارات. المال القطري والجهد الاستخباري التركي والعمل الميداني الإخواني اجتمعت للنيل من الإمارات، مع شخصنة واضحة في الاستهداف؛ فحيثما تواجدت الإمارات، كان الاستهداف. لم تحرمهم الإمارات من التمويل الذي كانوا يحلمون به وحسب، بل ساعدت هي وحليفتها السعودية على تثبيت أقدام الحكم المصري الجديد الذي اقتلع حكم الإخوان.

من صنع المشكلة التي يتم تصفيرها اليوم مع تركيا وقطر؟ من لديه مشروع لاجتياح المنطقة أيديولوجيًّا وإعلاميًّا، ثم عسكريّا كما شهدنا في ليبيا، أم من كان يسعى لحماية كيانه وإنجازاته؟ ربما الأتراك اليوم هم من يرد بعد أن أرهقتهم مغامرة أردوغان. مشاكل تركيا وقطر مع المنطقة كانت في تزايد، وسيجادل البعض أنه موقف إماراتي – سعودي من أردوغان. هل القادة الأوروبيون الذين يتذمرون من السياسات التركية على مدى السنوات الماضية إماراتيون أو سعوديون؟ أوصل أردوغان العلاقات مع أوروبا إلى الحضيض لحد القطيعة مع مجرد فكرة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. عداؤه ثم غرامه بفلاديمير بوتين ودونالد ترامب كل على حدة، أمثلة أخرى.

يحاول البعض أن يضع المواقف الإماراتية خلال العقد الماضي من التطورات السياسية بمنطقتنا بسياسة جديدة لا تعكس سياسات القائد المؤسس الراحل الشيخ زايد. الإمارات بلد مسالم، ما شأنه بما يحدث في المنطقة من صراعات؟ هذا بالطبع لا يمت للحقيقة بصلة

في مايو 2010، سألت أحد كبار مشايخ اليمن في بيته بصنعاء عن وضع الحوثيين ولماذا هذا الصدام المتجدد من دون حل أو مخرج. اقترح متفضلا أن ألتقي وزملاء صحفيون آخرون بزعامات حوثية متوسطة. كانت ثمة هدنة بين الحوثيين والرئيس الراحل علي عبدالله صالح، وكان الحوثيون يتحركون في صنعاء بلا أية قيود. كنت أريد الاستماع إليهم لأفهم أكثر ما يحدث في اليمن.

سألت أحدهم سؤالا مباشرا: مشكلتكم مع علي عبدالله صالح والسعودية؛ حربكم معهما؛ ما معنى “الصرخة”؟ فهمنا الإشارة لأميركا، ما علاقة إسرائيل بالأمر؟ كان الشاب الحوثي ذكيا في رده. أشار بيده بما يشبه رسم حقيبة. قال: مع ما فيها من مال، تأتي الشعارات. كان قد مرت سنوات على “الصرخة”، لكنها تثبتت لتصبح الشعار الإيراني الذي يتصاعد من جبال صعدة.

لا أعرف مدى التغلغل الإيراني بين اليمنيين في تلك المرحلة. استفادت إيران من انكماش الدور العراقي في اليمن بعد 1991، وتمددت. النسخة اليمنية من “الربيع العربي” معروفة. غضب قطري من الرئيس علي عبدالله صالح، تحول إلى تحريض مفتوح على يد “الإصلاح”، ثم انسياق خليجي وراء المشروع القطري بما سمي “المبادرة الخليجية”. وبمساعدة محاولة اغتيال للرئيس صالح، حسم الأمر. انتصر “الإصلاح” على علي عبدالله صالح، وبدأ السباق الحوثي نحو صنعاء.

نظم الحوثي أمره جيدا بمعونة إيرانية صارت أوضح. ساعد قرار إداري لدوائر الإقامة في السعودية، الحوثيين من حيث لا ينتظرون. تم استبعاد ما يزيد عن مليون يمني مخالف لشروط الإقامة في السعودية. دائرة الغضب من القرار تعني مليون عائلة يمنية متضررة. صب هذا في صالح تنامي القوة والنفوذ والقدرات البشرية المتاحة للحوثيين. اجتاح الحوثيون بعدها اليمن، وفر الرئيس الانتقالي ومعه من دبر خلع علي عبدالله صالح، ولم تتوقف الحرب إلى اليوم.

عندما تدخلت الإمارات إلى جانب السعودية في الحرب على سيطرة الحوثيين على البلاد وخلع “الشرعية”، هل كان هذا افتعالا لمشكلة أم ردا على تهديد إيراني في جنوب الخليج؟ “الشرعية” المنقلبة على الدور الإماراتي ما كان ليصبح لها أي أثر لولا انتزاع جنوب البلاد من يد الحوثيين. إذا كان لـ”الإصلاح” أجندة أخرى، فهذا موضوع ثان وكما شهدنا، هو لعبة سياسية إقليمية أخرى. بمسؤولية، انسحبت الإمارات من اليمن، وكانت خطوة أولية لـ”تصفير المشاكل”؛ خطوة بمرور الوقت أصبحت سياسة.

ربما نسأل، فيما يخص الشأن الإيراني تحديدا، هل سياسة تصدير الثورة القائمة منذ وصول آية الله الخميني إلى السلطة عام 1979، هي سياسة مولدة للمشاكل، أم لا؟ ترمي إيران على المنطقة أنواعا مختلفة من الفتن، ولا تخفي مشاريعها التي للأسف يختزلها الغرب بملف نووي لحين شاهد ما يمكن أن تفعله الميليشيات أو الصواريخ أو المُسيّرات.

يرى البعض الإمارات على صورة الإضاءة المتلألئة لمدنها الحديثة. يريد أن يختزلها كقطعة جميلة في فترينة الشرق الأوسط الزجاجية. لكن هذه النظرة المبسطة للأشياء لا تعكس الحقيقة تماما.

يحاول البعض أن يضع المواقف الإماراتية خلال العقد الماضي من التطورات السياسية بمنطقتنا بسياسة جديدة لا تعكس سياسات القائد المؤسس الراحل الشيخ زايد. الإمارات بلد مسالم، ما شأنه بما يحدث في المنطقة من صراعات؟ هذا بالطبع لا يمت للحقيقة بصلة.

عندما جرت هجمات سبتمبر 2001، كان الشيخ زايد هو من اتخذ قرار الانضمام إلى التحالف ضد القاعدة. لم يتخذه لأن الولايات المتحدة قادت الحرب على القاعدة وطالبان، بل لأنه اعتبر أن الإسلام خطف على أيدي هؤلاء ولا بد من مواجهتهم. عندما تكون ثمة حاجة إلى موقف صلب وشديد، ما كان الشيخ زايد ليتردد.

في حرب اليمن، أثبت الإماراتيون أنهم جيش يحسب له حساب وأنهم مستعدون للتضحية وتقديم الشهداء عندما يأتي نداء الواجب. وفي مراحل متعددة من أزمات المنطقة، أثبتوا أيضا أنهم سياسيون محنكون يستطيعون التحدّث إلى عالم واسع بلغته العصرية، وأن يكوّنوا لوبيات وجماعات ضغط وأن يعملوا بطريقة منهجية للوصول إلى غاياتهم.

متى ما دعت الضرورة أو الأزمة، هم جاهزون لاتخاذ القرارات الصعبة، حتى تلك التي تكلفهم غاليا من تشويه سمعة واستهداف شخصي.

ثمة مرونة عالية في التعامل مع المتغيرات سواء أكانت رحيل رئيس أميركي متعاطف أم تقلبات عدو أو حليف. مثل هذه المرونة يمكن أن تنتج سياسة “تصفير المشاكل”؛ سياسة تصفير لمشاكل يصنعها آخرون.

د. هيثم الزبيدي

كاتب من العراق مقيم في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه