ardanlendeelitkufaruessvtr

خيار العراقيين: لا للإطار نعم للتيار

بقلم د. ماجد السامرائي كانون1/ديسمبر 08, 2021 86

خيار العراقيين: لا للإطار نعم للتيار

قادة الميليشيات الولائية وستارها السياسي باتوا مدركين أن التصعيد الإعلامي انتهى وقته وفي الأيام المقبلة سيناورون مع مقتدى الصدر بمكرهم وتُقيّتهم وهو يعرفهم جيدا لأنه ابن البيت كما يقولون.

المهزوم يتغنى بأيام مجده

لم يعد المتابع لتطورات ما بعد ظهور نتائج الانتخابات العراقية بحاجة إلى الاستعانة بما يسمّى بلغة الجسد، التي أظهرتها مشاهد صدود مقتدى الصدر وعدم مصافحته لأعضاء ما يسمى بالإطار التنسيقي وعلى رأسهم نوري المالكي. بعد انقضاء الاجتماع مباشرة أطلق مقتدى الصدر كعادته ما تسمى قصاصاته عبر تويتر بخط يده موضحا موقفه من الاجتماع (لا شرقية ولا غربية أغلبية وطنية) تعني ببساطة شعبية عدم موافقته على مشروع التوافق والذهاب إلى الأغلبية.

جاء ردّ صاحب القصر الذي ضيّف المجتمعين، هادي العامري، سريعا خلال مؤتمره الصحافي ليكشف عمق الخلاف بين الفريقين الشيعيين وعدم اتفاقهما رغم رضوخهما لأمري النجف وطهران بالجلوس على مائدة قصره الفسيح الذي يستفز العراقيين ويُذكّرهم بالقصور التي بناها صدام لمن كانوا لا يمتلكون غرفة واحدة في بلاد المنافي.

كرّر العامري عزم قادة الإطار على مواصلة استخدام أسلحة السياقات الانتخابية، لهذا حضر بنفسه قاعة المحكمة الاتحادية، والنتيجة، كما صرّح هو، كانت إرغامهم على القبول بقرار مصادقتها النهائية رغم التأجيل الرضائي لأسبوع واحد، ليدخلوا المرحلتين التاليتين في تعطيل الجلسة الأولى للبرلمان الجديد، أو في انتخاب رئيس الجمهورية الذي يحتاج إلى 220 صوتا للموافقة البرلمانية.

تعقيبات ما بعد لقاء الفريقين الشيعيين كشفت عن منهجين متعاكسين للتيار الصدري والإطار التنسيقي بددا وعطّلا التكهنات المزيفة بانتصار التوافقية التي غالى بها موظفو الإعلام التابعين للقوى الولائية من متواضعي المعرفة، الذين بالغوا باستعراضاتهم الخطابية حول نجاح مشروع التوافقية، وأكدوا مرة أخرى جهلهم وتخلفهم وعدم احترامهم لعقل المواطن العراقي.

بوكس

كلا الطرفين يشتغل على عامل الزمن في توقيتات تشكيل البرلمان والحكومة المقبلة، الطرف المهزوم، ليس بقلة مقاعده وحسب، إنما بانكشاف مشروعه كأداة عمياء خدمت منذ ثلاثة عقود فرّية قيادة ولي الفقيه للإسلام السياسي الشيعي الإيراني، وتمرير وتثبيت وتعظيم مشروع نفوذه في العراق، لقد تجاهلوا وانصرفوا عن خدمة العراقيين لبناء إمبراطوريات مافيوية قائمة على المال المسروق والسلاح، لم يقدموا إنجازا واحدا يمكن أن يشفع لهم لتأجيل نهايتهم، حتى مدن من يدعون تمثيلهم من الشيعة لا تناسب العيش العصري للبشر، وثورة شباب تلك المدن عام 2019 شاهد لا يقبل التأويل.

المهزوم يتغنى بأيام مجده. هم يحاولون عبثا عبر خطابهم الإعلامي المعزول إرجاع الوقت إلى الوراء لسنوات عزّهم، حين استثمروا بخبث وطائفية وابتزاز انتصار العراقيين على داعش  بدماء شهداء أهل المدن المحتلة، إلى جانب شهداء مدن الجنوب الذين تطوعوا تلبية لفتوى مرجعهم الشيعي السيستاني. كان تشريع حيدر العبادي لقانون الحشد أسوأ ما قام به رغم استدراكاته اللاحقة بكشف الأرقام الفضائية لمنتسبيه في ظل ولايته، لكنه كغيره من الدعويين الفاشلين يحلم الآن بولاية جديدة. مهدّ ذلك القانون الطائفي المُغرض للميليشيات الهيمنة السياسية على طريقة الحرس الثوري الإيراني لحلم السيطرة الكاملة على السلطة، ولا علاقة له بقدسية معركة الشعب والانتصار على داعش التي انتهت عام 2017.

مشكلة هذا الفريق البعيد عن معايير وقوانين العمل السياسي واضحة يعرفها ابن الشارع العراقي البسيط، فهم مجموعة فاشلة وفاسدة يعيشون أيام نهايتهم السياسية، وبالتالي ضياع مراكز التحكم بالنهب. لكن من المهمّ عدم الاستهانة بما يخططون له من فوضى في الأيام المقبلة، فانغلاق أبواب الابتزاز والمناورة قد يدفعهم إلى حماقات الاستعانة بالسلاح. رغم استبعادنا لوقوع حماقة معركة السلاح بين الطرفين الشيعيين التيار والإطار، حتى لعبة الضغط بها لا تشتغل مع مقتدى الصدر، لأنه قادر على اكتساحهم خلال ساعات حسب تصريح أحد معاونيه أخيرا.

قادة الميليشيات الولائية وستارها السياسي باتوا مدركين أن التصعيد الإعلامي انتهى وقته، في الأيام المقبلة سيناورون مع مقتدى الصدر بمكرهم وتُقيّتهم، وهو يعرفهم لأنه ابن البيت كما يقولون، المناورة ستأخذ اتجاهين، فمن جهة سيحاولون الحصول على بعض المناصب الحكومية وسيقبلون بأقلها وأدناها مرحليا، وقد يتجاوب معهم في ذلك، ويمرّرون رئيس حكومة يسمونه بالتوافقي على مبدأ عدم تكرار مناصب الرئاسات الثلاث لاستبعاد الكاظمي.

من الجهة الثانية تخشى القوى السياسية الولائية تحويل شعارات الصدر الخاصة بحل فصائل الميليشيات وفتح باب المساءلة حول الفساد والفاسدين وإحالتهم للقضاء من خلال البرنامج الحكومي المتوقع، فتضيق الدوائر وتتراجع إمكانات استمرار النهب.

تعتقد قوى الإطار أنها تستطيع الضغط على الصدر وتحرجه بملفات سرّية مثل إحياء الملف القديم بمقتل مجيد الخوئي بعيْد عودته للعراق عام 2003 والذي اتهم فيه مقتدى الصدر، كذلك التحقيق في ملف مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني ومعاونه أبومهدي المهندس.

يبدو أن أساليب الابتزاز خيار محدود وفاشل في مواجهة الصدر الحتمية، أو في الخلاص من مطالبات الشعب وثورته الشبابية التي تم قمعها بالسلاح. رغم مهادنة الكاظمي لحيتان الفساد ومناورته في عدم فضحهم لأسباب سخيفة تتعلق بحلمه للولاية الثانية وضعف شخصيته، لأنه يعرف أنه بفتحه الجدّي لهذا الملف من جرائم السياسيين ستبدأ مرحلة التغيير الجاد وسيتحقق جزء من حلم العراقيين المظلومين المسروقين المهانة كرامتهم.

هؤلاء الذين يكابرون اليوم ويعاندون حتمية هزيمتهم يعلمون أن أي بداية لأبسط مقومات برنامج حكومي جديد لا يقوم على المحاصصة والمشاركة في السرقة ستضعهم في مكان آخر يفضي إلى بدايات أولية لمحاسبتهم حول جرائم سرقة، أو مسؤوليتهم في التغطية على مافيات نهب المليارات، وستتبخر وفق القانون تلك الفتاوى المذهبية المتخلفة في مشروعية أخذ الملك العام لعدم وجود مالكه الفردي.

أمثلة بسيطة من قصص الاحتيال والابتزاز والسرقة تعرضها هذه الأيام بعض القنوات الفضائية العراقية شبه المستقلة، التي تبث من خارج العراق، وكذلك وسائل التواصل الاجتماعي التي تكشف المستوى المتدني البشع من صفقات السراق وبعضهم نواب شركاء لسياسيين حكام للبلد.

بوكس

محاولة غير موّفقة من عرّاب الإطار المالكي لضمان كسب الأكراد إلى جانبه وتطويق مشروع الصدر في الكتلة الأكبر، مستثمرا مواقفه الغامضة بإرساله موفدا إلى القادة الأكراد معروف بتجربته الفردية بالوساطة مدفوعة الثمن، وبازدواجيته ما بين المعارض الشيعي وخزّان المعلومات وبين حماية “العملية السياسية” من الخارج الأميركي والمُطبّع العربي.

ما يزيد من تعقيدات الحل العراقي ويضعف من مشروع الصدر للتغيير المرحلي المطلوب، هو تذبذب وغموض مواقف القوى الكردية والسنّية الفائزة، تحت شعار “ضرورة اتفاق قادة الشيعة جميعا قبل الحوار حول الكتلة الأكبر”، في استثمار غير مقبول للمحاصصة الطائفية والابتزاز للحصول على أعلى المكاسب، في حين تتطلّب أحكام السياسة والأكراد أكثر من الآخرين في العراق بإجادتها أن تحصل الموازنة في المواقف دون فقدان ثقة الشعب العراقي في المحيطين الكردي والسني، التي حين تذهب لن تعود بسهولة.

ليس ملف الإصلاح الوطني الداخلي علامة الخطر الوحيدة على القوى المهزومة فحسب، بل إن حكومة وطنية جديدة بمواصفات الحد الأدنى من الكفاءات قادرة على تعزيز حركة الانفتاح على العرب التي تمت في الشهور الأخيرة الماضية، خلال حكومة مصطفى الكاظمي، والتي كانت واحدة من أسباب الحرب عليه من قبل الميليشيات وأحزابها، تشكل واحدة من التهديدات لمصالح طهران ووكلائها في العراق.

دوليا لا توجد هناك مشكلة ما بين محاربة مقتدى الصدر للمحتلين الأميركان قبل عام 2011، وما بين انتهاج حكومته المتوقعة لسياسة صداقة مع الولايات المتحدة. واشنطن ليست لديها عقدة في ذلك. وفقا لتحليل نشره معهد “هيريتاج فاونديشين” الأميركي يوم 4 ديسمبر الحالي اعتبر فيه أن هناك مؤشرات على أن “الصدر أصبح أكثر براغماتية وقد صرّح بأن كل السفارات الأجنبية مرحب بها بما فيها الأميركية، طالما أنها لا تتدخل في الشؤون العراقية وتشكيل الحكومة”.

إزاحة الميليشيات المسلحة الولائية عن التحكّم بمصير البلاد، وإنهاء هيمنتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لم تعد هدفا عراقيا لإشاعة الاطمئنان الأمني للعراقيين الذين فقدوه منذ عام 2003، والحفاظ على حياة أبنائهم وممتلكاتهم، بل هو هدف عربي ودولي في مواصلة الحرب على التطرّف الديني والمذهبي، سواء بوجهه الداعشي أو الميليشياوي الموالي لطهران. هناك حرص إقليمي عربي على عراق آمن مستقر يوفر أرضية التنمية والاستثمار التي افتقدها العراق رغم امتلاكه كل المقومات المادية والبشرية.

الصدر اليوم إذا ما صمد واستمر في مشروعه الوطني هو ليس الصدر 2006 و2010، يبدو إلى حد الآن أنه مصرّ على تحويل شعاراته إلى برنامج لحكومة كفاءات وطنية غير مؤدلجة، لعله يضع المقدمات القوية لنظام سياسي يعزز الهوية الوطنية وهيبة الدولة وخدمة العراقيين أولا.

د. ماجد السامرائي

كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It