ardanlendeelitkufaruessvtr

"من أول يناير ح بطّل السجاير"

بقلم حكيم مرزوقي كانون1/ديسمبر 14, 2021 64

"من أول يناير ح بطّل السجاير"

صرنا ندمن التذكّر بعد أن كنا نتقن التمني. بدأنا نجنح للأبيض والأسود بعد أن كنا نبالغ في تلوين المستقبل، فهل هزمنا العمر أم استعجلنا في رفع رايات الاستسلام.

ارض بنصيبك هذا من الأفق

أجدني كل آخر عام أردد ما غناه المرحوم شعبولاّ "من أول يناير، ح بطّل السجاير، واشتري قميص جديد.. وهيييي".

نعم، لقد أمسى الواحد منّا كالثعلب الذي يستيقظ في الصباح، يتمطط في مغارته، ويحرك ذيله في ثقة وزهو كبيرين، ثم يقول: سأصطاد اليوم غزالا سمينا. يمر الضحى والظهيرة وهو لاهث دون أن يظفر بشيء، بل صار يخشى أن يتم قنصه أو اصطياده من طرف أحد السباع. يمضي الوقت وتضمحل الأمنيات التي وعد بها نفسه من غزال سمين إلى فرخ دجاج صغير في الغروب، يسكت به جوعه في ليل الغابة البارد الطويل.

الأوراق ودفاتر المفكرات التي كنا قد حمّلناها مخططاتنا للعام الجديد بحماس شديد، لفها النسيان ونامت على بكارتها مثل جهاز عرس في خزانة سيدة تقدم بها العمر وهي تنتظر فارس الأحلام.

صرنا ندمن التذكّر بعد أن كنا نتقن التمني. بدأنا نجنح للأبيض والأسود بعد أن كنا نبالغ في تلوين المستقبل، فهل هزمنا العمر أم استعجلنا في رفع رايات الاستسلام.

هذا الخيط الرقيق من الشجن، عادة ما يرافق مثل هذه الأيام من كل عام، ودأب الناس على تسميته بـ"اكتئاب نهاية السنة".. ربما لارتباطه برمادية الشتاء وطبيعة دورة الفصول التي ضبط عليها الإنسان ساعته وبرمج مواقيته.

ربما لأن الطقس يقسو أكثر مما يجب، والبشرية ما تكاد تنجو من كارثة إلا وتلج أخرى، وتسرع في السير نحو هاوية كبرى ومجهولة، فكأنما جميعنا ماثلون في واحد من أكثر أفلام الأكشن رعبا وإثارة.

إن ضحكنا يوما قلنا "الله يعطينا خير هالضحكة"، وإن ابتلينا بكارثة قلنا "اللهم اجعلها خاتمة الأحزان"، لكن فينا من يتشاءم من هذا الدعاء، وينصحونك بإبدالها بعبارة "إن شاء الله تعيش ونأكل غيرها"، ذلك أن خاتمة الأحزان تعني نهايتنا.

وهكذا نمضي في هذا "التشاؤل" المزمن فنقتصد في ضحكاتنا وزفراتنا إلى يوم آخر، ونعيش على نصف دمعة ونصف ابتسامة، فيرضى الثعلب الذي كان طموحا بفرخ طير صغير، ويبيت ليلته هانئا وكأنما اصطاد غزالا سمينا أو أنه أفلت من مخالب أحد السباع في هذه الغابة البشرية.

إن كان سقف بيتك يدلف هذا الشتاء فاحمد ربك أن لديك بيتا تأوي إليه وليس خيمة لاجئ في العراء، وإن كنت من بين قوافل اللاجئين والمشردين فـ"بوس إيدك وشّ وقفا" لأنك لم تهلك في ديار القمع والظلم والجوع والاستبداد.

ارض بنصيبك هذا من الأفق، وتذكر دائما أنك كنت حيوانا منويا محظوظا في سباقه نحو معجزة التلقيح مع بويضة محظوظة بدورها.

هات بدفتر مفكرتك للعام الجديد وسجّل "من أول يناير ح بطّل السجاير، واشتري قميص جديد.. وهييييي".

حكيم مرزوقي

كاتب تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It