ardanlendeelitkufaruessvtr

"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" في الأردن

بقلم شاكر رفايعة كانون1/ديسمبر 17, 2021 68

"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" في الأردن

بعيدا عن انتقاده للحكومة في الجلسة المغلقة التي عقدها مجلس الأعيان مؤخرا، نقلت وسائل الإعلام المحلية عن الفايز قوله إن "الناس مش سائلة عن السياسة" وأن ما يهمها الآن هو تحسين الاقتصاد.

الأردن يتيم بالسياسيين

حين تعاني مؤشرات الاقتصاد الكلي من التراجع، والمالية العامة من العجز المزمن، والديون من الارتفاع الذي لا يتوقف، يبدو التركيز على الإصلاح السياسي ترفا لا يهم غالبية الأردنيين الذين تآكلت دخولهم وتفشت بينهم البطالة وشبعوا من الوعود.

يكثر الجدل وتسود الضبابية حول ما ينتظر الأردن في مستقبله السياسي لكن الوضع الاقتصادي السيء وما تبعه من احتقان اجتماعي أوضح بكثير، وأدعى إلى الاهتمام وإطلاق التطمينات خصوصا من الملك عبدالله الثاني وشخصيات نافذة في أجهزة الحكم.

لا يمكن إلا التوقف عند حديث رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز الذي قال إنه لم يكن قلقا على البلد إبان الربيع العربي مثلما هو قلق الآن بسبب مشاكل الاقتصاد. واعتبر أن أولوية الأردن في الوقت الحالي هي تحسين الأوضاع المعيشية للناس.

والفايز الذي يرأس “مجلس الملك” هو واحد من أقرب المقربين إلى العاهل الأردني وظل يعمل في الديوان الملكي منذ الثمانينات إلى أن ترأس الحكومة في 2003. ولا يزال يُنظر إليه على أنه يعبر عن توجهات مؤسسة الحكم.

◄ أكثر ما يحتاجه الأردن الآن هو منح الأولوية القصوى لإنعاش الاقتصاد وتعويض الأفراد والقطاعات عن خسائر الأزمة الصحية

بعيدا عن انتقاده للحكومة في الجلسة المغلقة التي عقدها مجلس الأعيان مؤخرا، نقلت وسائل الإعلام المحلية عن الفايز قوله إن “الناس مش سائلة عن السياسة” وأن ما يهمها الآن هو تحسين الاقتصاد.

هل أصبح الشأن السياسي فجأة غير مهم، بعد شهور من النقاش واجتماعات اللجان والحكومة والنواب حول تعديل الدستور وقوانين الحياة السياسية وصولا إلى هدف “الحكومة المنتخبة”، أم أن الآلية نفسها صارت ارتجالية في الآونة الأخيرة وأثارت الشكوك حول وجود إرادة حقيقية للإصلاح؟

الآن يبحث مجلس النواب التعديلات الدستورية التي تقوي من سلطات العاهل الأردني في عدة مواضع وأبرزها إنشاء مجلس الأمن الوطني والسياسة الخارجية برئاسة الملك، بحيث يكون رئيس الحكومة، التي يُفترض أن تكون مشكلة من أحزاب البرلمان، عضوا من بين عدة أعضاء.

وهكذا أُفرغت العملية من مضمونها. وأظهرت أجهزة الحكم تمسكها بمستقبل سياسي لا يختلف كثيرا عن الوضع الراهن: أهم السلطات بيد الملك مع حكومات وبرلمانات ضعيفة ومشهد حزبي باهت.

تحوم التساؤلات حول قدرة مجلس النواب والمساحة التي يمكن أن يتحرك فيها، أو يُراد له ذلك لتعديل الدستور بما يتوافق مع عناوين الإصلاح التي يدعو إليها الملك نفسه منذ سنوات وأهمها توسيع المشاركة السياسية إلى مستوى الحكومات البرلمانية.

هذا التناقض بين ما يقال على الملأ وما يُكتب فعلا في صياغات تعديل الدستور، أضاف المزيد من اللامبالاة الشعبية حيال كل ما يحدث على صعيد “تحديث المنظومة السياسية” التي بدأت مع اللجنة الملكية ثم وضعت الحكومة لمستها بإضافة مقترح إنشاء مجلس الأمن الوطني وأرسلت مسوداتها إلى البرلمان.

حتى قبل ذلك كانت اللامبالاة هي الغالبة، حين انطلقت سلسلة من الحوارات حول الإصلاح السياسي بتوجيه من الملك وبقيادة الفايز الذي رفض سابقا وصف ما يحدث بأنه إصلاح وتمسك بمفردة “تحديث”. وكأنما يريد القول إن جمود المشهد السياسي في المملكة منذ سنوات طويلة لا يعني أن “الأمور خربانة”.

وسط هذا الجدل داخل الطبقة السياسية والتجاهل الشعبي العام، أرسل الملك أكثر من مرة إشارات طمأنة إلى الأردنيين حول الوضع الاقتصادي والمالي الذي يعاني مشاكل مزمنة ونالت منه أزمة الوباء حين هبطت بالمستوى المعيشي والاجتماعي لقطاعات عريضة من الناس وأوصلت نسبة الفقر إلى حوالي ربع السكان.

وقال الملك في مناسبتين هذا الأسبوع إن الأردن مقبل على مشاريع استثمارية كبرى تساهم في خلق فرص عمل، وإن تحسين الاقتصاد “يسرّع عملية الإصلاح السياسي”، التي طال انتظارها حتى أصيب الناس بالملل.

تعلم أجهزة الحكم أن الوضع الاقتصادي يحتاج إلى تدخلات ضرورية ومتلاحقة على المدى القصير لانتشاله من الضعف وإنعاش القطاعات المتضررة من أزمة الوباء في المملكة التي تعتمد في إنفاقها العام بصفة أساسية على المنح والقروض الخارجية. أما المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية فهي غير واضحة تماما، مثلما هي حال مشاريع الإصلاح السياسي.

هذا الأسبوع أيضا، انتقد رئيس الحكومة الأسبق عبدالرؤوف الروابدة الطريقة التي يتم بها طرح الإصلاح السياسي ولم ينتقد محتواه، لكنه قال إن الجو العام “محتقن ومحبط” وإن “الأردن يتيم بالسياسيين”.

◄ مجلس النواب يبحث التعديلات الدستورية التي تقوي من سلطات العاهل الأردني في عدة مواضع وأبرزها إنشاء مجلس الأمن الوطني والسياسة الخارجية برئاسة الملك

الروابدة الذي ترأس أول حكومة في عهد الملك عبدالله الثاني وكان من المقربين للملك الراحل الحسين بن طلال، قال إن الحكومة مغيبة عن كل ما يجري في البلد، بما ذلك مشروع تغيير النظام السياسي.

ولم يُعرف كيف تكون الحكومة مغيبة عن ملف تعديل الدستور وقوانين الحياة السياسية الذي استلمته من اللجنة الملكية وناقشته وعدلت وأضافت إليه وطلبت من البرلمان منحه صفة الاستعجال؟ على اعتبار أن الإصلاح السياسي سيفلت من بين أيدينا إذا تأخرنا في إقرار تشريعاته!

لا تثير مثل هذه الانتقادات استغراب الناس وقد تعودوا على الحكومات الملزمة بالتحرك داخليا وخارجيا ضمن حدود مرسومة، مثلما تعودوا على كثرة تغيير الحكومات وتعديلها دون إبداء الأسباب.

أكثر ما يحتاجه الأردن الآن هو منح الأولوية القصوى لإنعاش الاقتصاد وتعويض الأفراد والقطاعات عن خسائر الأزمة الصحية. وهذا على الأقل أكثر وضوحا وأشد احتياجا لتدخل الدولة من مشروع الإصلاح السياسي المحاط بالجدل والغموض، على قاعدة الحديث النبوي “دع ما يريبك إلى ما لا يريبك”.

شاكر رفايعة

كاتب أردني

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It