ardanlendeelitkufaruessvtr

ثم كان النفاق العظيم

بقلم ‏رباح آل جعفر كانون1/ديسمبر 30, 2021 93

ثم كان النفاق العظيم

  ‏رباح آل جعفر

‏في رواية “أرض النفاق” ليوسف السباعي تقرأ في الصفحة الأولى إهداء غريباً من نوعه. إنه يهديها إلى نفسه. فيكتب: “إلى أحبّ الناس إلى نفسي وأقربهم إلى قلبي. إلى يوسف السباعي. ولو قلت غير هذا لكنت شيخ المنافقين من أرض النفاق”!.

‏والعبارة التي قالها فيلسوفنا الكبير شوبنهور “إذا أردت أن تكون لحياتك قيمة فاجعل لنفسك قيمة” كانت صحيحة وفصيحة وصريحة مائة بالمائة. أما أستاذ الفلاسفة سقراط فقد تنازل عن الحياة كلها بسبب الثبات على الموقف. موقفه من الأثينيين والقوانين الأثينية فشرب السمّ مفضّلاً الموت على إطاعة ما كانت من قوانين جائرة!.

‏ذكّرني هذا الموقف بقصة سعيد قزاز السياسي والوزير في العهد الملكي. فعندما صدر حكم بإعدامه قال كلمته المؤثرة “يُشرّفني أن أصعد على حبل المشنقة وأنا أرى ناساً تحت قدمي لا يستحقون الحياة”.  وحين توسّط له أصدقاؤه والتمسوه أن يكتب رسالة اعتذار مقابل التخفيف من حكمه فإنه رفض الاعتذار.

‏وقرأنا عن الأديب المعتزلي غيلان الدمشقي عندما صعد إلى خشبة الصلب تململ صاحبه صالح محاولاً أن يستعطف سيّافه. فقال له غيلان: صبراً يا صاحبي فما بقي بيننا وبين الجنة إلا ضربة سيف.

‏والحياة موقف. والنفاق موهبة. والنظرية السائدة في هذه الأيام تقول التالي:

‏”ما دمتَ في عالم النفاقْ

‏فاعدلْ بساقٍ ومِلْ بساقْ”

‏والمنافقون أشكال وألوان. فمنهم الحنقبازية، ومنهم الانتهازية، ومنهم الفهلوية. وشاعرنا الرقيق نزار قباني يقول في “إفادة في محكمة الشعر”:

‏ما احترفتُ النفاقَ يوماً وشعري

‏مـا اشتــراه الملــوكُ والأمــراءُ

‏وقباني هو القائل أيضاً في النفاق والمنافقين:

‏كفانا نفاق.

‏فما نفعه كل هذا العناق؟.

‏ونحن انتهينا.. وكل الحكايا التي حكينا نفاق!.

‏وأنا عرفت من المنافقين في حياتي كثيرين. يحضرون عند الطمع ويغيبون عند الفزع. رأيتهم يحنون رؤوسهم لكلّ مخلوق، ولا يُبالون أن يجدوا رؤوسهم تحت الأقدام. فيمُدّون أيديهم لكلّ من يدفع، ويبيعون أنفسهم لكلّ من يشتري.

‏ولعن الله المنافقين فهم يحفظون المعلقات عن ظهر قلب، مثلما يحفظون عبارات التفخيم والتعظيم، والتحيات والانحناءات، وبرقيات الولاء والتأييد، والعهود الممهورة بفداء الروح والدم. ويكتشفون في الغزل بحوراً شعرية جديدة لم يكتشفها الفراهيدي، وقصائد في ديوان الحماسة لم يأت على ذكرها أبو تمّام.

‏وأستاذنا عباس محمود العقاد يقول: “ليس أبغض إلى الإنسان من احتقاره لنفسه.” فإنه يرضى بالخسّة ويرضى بالدون. بل ليس أصعب على الإنسان حين تهون عليه نفسه فيكون منافقاً، وتافهاً، وصغيراً.

‏وفي القرآن الكريم سورة كاملة اسمها “المنافقون”. ومن أجمل الكتب التي قرأتها أيام زمان كان كتاب “النفاق والمنافقون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم” فهذا الكتاب لن تجد له مثيلاً في المكتبة العربية فهو يتحدث بالأسماء وبالتفاصيل ويروي القصص والحكايات عن تاريخ النفاق والمنافقين في بلاد العرب.

‏وصدق السيّد المسيح القائل: ما قيمة الإنسان إذا ربح العالم وخسر نفسه!.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It