ardanlendeelitkufaruessvtr

أسئلة عام 2022 العراقية

بقلم د. ماجد السامرائي كانون2/يناير 05, 2022 99

أسئلة عام 2022 العراقية

السؤال المهم هل سيتوسع خلال العام الجديد الثقب في جدار بنيان الاستبداد والفساد والكراهية ويتحقق الانتقال التدريجي لاستعادة العراق وهويته ومقوماته البشرية والمادية التي ستصنع حياة عصرية تليق بشعب العراق.

العراق إلى أين؟

واقع العراقيون الحالي، السياسي والاقتصادي والاجتماعي، قاس لدرجة أوصلت غالبيتهم إلى حالة من الإحباط العام وقبول ظاهري بالحد الأدنى من ضروريات المعيشة. إلا أنّ مقاييس وآليات مسيرة الشعوب الحيّة لا تخضع للظواهر العابرة رغم قسوتها وآلامها اليومية. وشعب العراق يُصنف تاريخيا واحدا من بين تلك الشعوب.

قد لا يقبل البعض ممن يعيشون تحت قساوة المحنة هذه الفرضية الثورية.

المثال الواقعي الشاهد ثورة شباب أكتوبر 2019 التي ردّت بثمن باهظ من دماء أبنائها على مظاهر النهب العام والتمييز الطائفي والعنصري والكراهية، منطلقة من الناصرية والبصرة وكربلاء والعمارة وبغداد. شباب من المكوّن الشيعي أسقطوا بجدارة خرافة الطائفية وحكمها المتخلف “الغالبية الشيعية” التي صدّرها نظام الخمينية في طهران بدوافع سياسية استعمارية حديثة للعراق بدعم أميركي مستمر منذ عام 2003 ولنهاية عام 2021.

هذه الصدمة الكبيرة التي أحدثتها الثورة في كيان الطبقة الحاكمة قادت إلى ردّ همجي تمثل بقتل الشباب الثائر وتوظيف مختلف الوسائل لإخماد حركتهم، معتقدين أن تسويات مثل انتخابات مبكرة وإزاحة رئيس وزراء متورط بقمع الثورة تبرر استمرار ولاية الأحزاب التي انتهت تاريخيا في العراق.

السؤال المهم، هل سيتعمّق خلال العام الجديد ويتوسع الثقب في جدار بنيان الاستبداد والفساد والفشل والكراهية، ويتحقق الانتقال التدريجي الواعي لاستعادة العراق وهويته ومقوماته البشرية والمادية التي ستصنع، دون شعارات كاذبة، حياة عصرية تليق بشعب العراق للتفاعل مع حالة التطور الثوري الهائل الذي تعيشه البشرية في ثورة إنسانها، في الحقبة المقبلة من العلاقات الإنسانية الرقمية والافتراضية، التي ستحل حتما خلال سنوات قليلة محل ظواهر الحياة الحالية بجميع فعالياتها.

رغم قسوة وطول زمن هذه الموجة السوداء التي غمرت حياة العراقيين، بسبب جسامة حالة التدمير التي تعرّض لها العراقيون من قبل طغمة الفساد والكراهية، هي اليوم في حالة تراجع وانكسار مذهل

بعض المراقبين المحليين، من مفكرين ومثقفين وسياسيين مستقلين، يتعاطون مع جزئيات الفعالية السياسية الراهنة في العراق على أنها حقائق ينبغي التسليم بها، لأن القوى التي تقف خلفها أكبر من قدرات جمهور ضعيف مسلوب الإرادة يبحث الفرد فيه عن لقمة العيش لأطفاله، للتعايش مع ظواهر زرعت وانتشرت بسرعة  كأسلحة قذرة، أكثر خطورة وتدميرا من أسلحة الدمار الشامل، كتشجيع وتسهيل التعاطي الجماعي للمخدرات والاتجار بالبشر، بدءا ببيع الأطفال بأثمان بخسة، وتصعيد حالات العنف الأسري وإكراه تزويج الأطفال وغيرها من جرائم اجتماعية.

هذا الاستسلام الظاهري ليس حقيقيا، بل يأتي في مرحلة عالية التعقيد بعد أكثر من ثمانية عشر عاما من حملات مُنظّمة في الترويض والتيئيس، انتقل بعضها للأسف إلى نسيج النخب والفئات التي كانت محسوبة على عالم ثوري ليبرالي، مثل تحوّل عشرات الألوف ممن كانوا منتسبين إلى حزب البعث الحاكم قبل عام 2003 إلى جنود في الجمهور الطائفي الشيعي الجديد تحت تأثير الحاجة، أو تحوّل قيادات سنيّة مقامرة إلى مرتزقة خدمة لاستعمار ولاية الفقيه الإيراني في العراق.

الحالة الطارئة التي يمر بها العراقيون قاسية وفريدة في تاريخ الشعوب، والسبب في وصولها لهذه الدرجة هو القدر الهائل والمتنوّع من حملات التدمير العسكرية والاستخباراتية والتعبوية التي قادتها مؤسسات أميركية يمينية متطرفة حكمت البيت الأبيض لسنوات، ونقلت بوصلة وسائل التدمير من مواجهة القطب الشيوعي المنافس ودوله وأحلافه إلى بلد صغير في المنطقة اسمه العراق، مستثمرة بخبث حماقات نظامه لتبرير ما حصل. لكن اليوم انتهت المبررات وختمت فصول اللعبة.

رغم ذلك مازالت عقول بعض السياسيين الأميركان، من بينهم الرئيس الحالي جو بايدن، تستحضر وتطبق بسطحية لا تتناسب مع التراث السياسي الأميركي فكرة التصالح مع الجانب المتطرف من الإسلاميين الشيعة، ودعم سياسات نظام الخمينية الإيرانية، الوجه الثاني من القاعدة وداعش، رغم بشاعة تجربتهم ضد مصالح الشعبين الإيراني والعراقي وحتى مصالح الشعب الأميركي وشعوب المنطقة.

لعل بعض الوقائع السياسية تعطي إشارات إلى أن المشروع الطائفي في العراق أصبح في حلقاته النهائية من الرحيل. وتشير إلى ذلك، بصورة غير مباشرة، خيبة أمل الإدارة الأميركية في من اعتقدت أنهم قادرون على إدارة حكم أهم بلد في المنطقة، وهو العراق. فبعد أن منحتهم السلطة والمال والجاه والقوة، كانت النتيجة أنهم انقلبوا على ولي نعمتهم، مثلما يقول المثل الشعبي.

قبل أيام سرّبت معلومات نشرتها صحيفة قريش اللندنية كذّبها مكتب عمار الحكيم، من المفيد عرض جانب منها لعلاقة موضوعها بهذه السطور، عن حوار مُفترض جرى بين المبعوث الأميركي السابق في كل من العراق وأفغانستان الذي اختار قائمة من يحكمون العراق اليوم، زلماي خليل زاد، وبين رئيس تيار الحكمة وريث والده وعمّه في قيادة هذا الفصيل الديني الشيعي خلال جلسة منتدى السلام والأمن، الذي نظمته الجامعة الأميركية في مدينة دهوك العراقية.

السؤال المهم، هل سيتعمّق خلال العام الجديد ويتوسع الثقب في جدار بنيان الاستبداد والفساد والفشل والكراهية، ويتحقق الانتقال التدريجي الواعي لاستعادة العراق وهويته

فاجأ خليل زاد عمّار بالقول: يا سيّد عمّار الحكيم التاريخ لا يزال قريبا، ووالدكم الراحل كان معنا، أنا شخصيا الذي قررت بعد مؤتمر لندن، قبل تحريركم من صدام، أن يكون الحكم بيد الشيعة، كلمتي وكلمة الرئيس بوش كانت واحدة، وهكذا كان الحكم بأيديكم، كل شيء مرّ من بين أيدينا وتحت سيطرتنا.

قال الحكيم: لا ننسى جهود سيادتك معنا أبدا. ليرد خليل زاد: ليست جهودي، هذا قرار الولايات المتحدة كلها في تلك الأيام، وكان الجيش الأميركي وكل قواتنا تعمل وتعطي التضحيات في سبيل تثبيت حكم الشيعة بالعراق، ولكن ما هي النتيجة؟ نراكم تقصفوننا بالصواريخ، تريدون تدمير سفارتنا في بغداد وتدمير قواتنا التي هي في الأساس لحماية حكم الشيعة.

ردّ الحكيم: سيادتكم تعرفون أنّ هناك متطرفين نحاول صدهم وتقييد حركتهم دائما وخطابنا دائما..

قاطعه زلماي: هذا ليس حقيقة الوضع. كنت إلى قبل أسابيع مشرفا على الانسحاب الأميركي من أفغانستان وتسليم الحكم إلى طالبان، قواتنا ليست موجودة في أفغانستان، كان هناك جيش كبير عند أشرف غني، لكن في ساعة واحدة وافقنا على رجوع طالبان إلى الحكم. غني لم يقصف قواتنا، بل توسّل بقاءنا ورفضنا، أنتم قصفتم سفارتنا ومصالحنا.

حسنا يا سيد الحكيم، أنت بحسب وجهة نظرنا جزء من قيادة الحكم الشيعي في هذا البلد، لكن أنت تقول إنك لست مع التطرف، قل لهم إنّ الأميركان سينسحبون بالكامل، وأنهم قادرون أن يسلموا الحكم لمن لا يعضون اليد التي أحسنت إليهم، هذا ما سيحصل.

هذه المحاورة وغيرها من المعطيات الجديدة تشير بالأساس إلى أن نظام طهران مرتبك، لأنه من جهة يريد ضمان بقاء العراق تحت نفوذه كليّا وعدم انفلاته عبر ثورة داخلية شعبية تزيح الفاسدين والقتلة، ومن جهة أخرى يخشى نظام طهران تداعيات القطيعة بين الأميركان والزعامات الشيعية في العراق، فذلك يعني إزاحة قاعدة القوة الحقيقية التي استندت عليها الأحزاب رغم الدعاية الرخيصة بأنهم أعداء للأميركان.

رغم قسوة وطول زمن هذه الموجة السوداء التي غمرت حياة العراقيين، بسبب جسامة حالة التدمير التي تعرّض لها العراقيون من قبل طغمة الفساد والكراهية، هي اليوم في حالة تراجع وانكسار مذهل، رغم الجهود الاستثنائية لتغطية حالة انهيار تلك القوى من خلال تشبثها باستمرار سلطة الحكم لتكون ساترا للحماية من المحاسبة المقبلة.

سؤال العام الجديد 2022 الجوهري موجّه للرئيس بايدن قبل غيره: هل ستستمر في دعم نفوذ نظام طهران واستعماره للعراق، رغم القطيعة الكاذبة التي أعلنتها القوى الشيعية الولائية مع واشنطن، لماذا لا تتم مقاطعة أميركية لتلك الأحزاب التي تشتغل على تدوير سلطتها مجددا في بغداد، وتُكفّر واشنطن عن خطاياها في العراق؟

د. ماجد السامرائي

كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It