ardanlendeelitkufaruessvtr

نهضة الوطنية التي بدأت تشرق في العراق

بقلم علي الصراف كانون2/يناير 15, 2022 84

نهضة الوطنية التي بدأت تشرق في العراق

المشروع الطائفي الإيراني إشكالي في إيران نفسها وهو موضع نزاعات أهلية لا يمكن إخفاؤها فكيف إذا امتد هذا المشروع إلى بيئة مناهضة له وتعرف أن استقرارها منوط بتحاشيه ودرء أخطاره؟

المصلحة واحدة

يصعب تصور أن جماعات “الإطار التنسيقي” الموالية لإيران، وكل تبعيتها الأخرى في “الحشد الشعبي”، لم تفهم الأسباب التي جعلتها تخسر الانتخابات. فهم أجرموا ونهبوا وأفسدوا بما يجعل حتى ما حصلوا عليه من أصوات تزويرا مطلقا، أو في الأقل عملا هو نفسه من أعمال الفساد، اشتروا به ما استطاعوا من ضمائر خاوية.

هناك سبب فصيح واحد على الأقل حان الوقت لكي يفهموه، هو أنهم كأي مرتبطين بمشروع خارجي أو بأجندة دولة أخرى، لا بد في النهاية أن يجدوا أنفسهم معزولين.

مصالح الدول تتفاوت. هل هناك شيء أكثر بديهية من ذلك؟ وعندما تتفاوت المصالح سرعان ما يدرك الناس، هنا أو هناك، على حساب من تقع الأضرار.

لا حاجة لأي حسابات أو أرقام عما انتهت إليه أعمال الفساد، والمشاريع الوهمية، والمضاربات، وأعمال تهريب البضائع، والسيطرة على السوق المحلي في العراق، فهذه كلها قد تم حسابها، وهي التي أدت إلى ضياع أكثر من 600 مليار دولار من عائدات العراق في العهود التي تسلط بها ذوو التبعية لإيران على مقاليد الحكم في العراق.

المال المنهوب قد لا يُلاحظ، بما أنه عمليات نهبه تجري من فوق إلى فوق في الكثير من الأحيان، إلا أن العراقيين كانوا يرون أن بلادهم ظلت بلا كهرباء، وأن خدمات الصحة والتعليم تنهار، وأن الإدارات العامة أصبحت إدارات فساد لا تعمل إلا بالرشوة، ولا توفر فرصا إلا على أساس نظام لتقاسم حصص النهب. وما من وظيفة، إلا وصار الحصول عليها بحزمة من “دفاتر” الرشوة. هذا هو العالم الذي صنعوه. وهو عالمهم الطبيعي. ليس لأنهم فاسدون بحكم الطبيعة، ولكنهم فاسدون بحكم الولاء.

والأمثلة كثيرة. وليس من المعقول أن جماعات “التبعية المذهبية والسياسية” لا يعرفونها. ولو أنهم نظروا إلى حساباتهم الشخصية في الداخل والخارج، لكان ذلك شاهدا كافيا، لهم من أنفسهم، على ما ظلوا يفعلون لنحو 18 عاما متواصلة.

الآن. ما الذي يجمع بين مقتدى الصدر وبرهم صالح ومصطفى الكاظمي لكي يفوزوا بمشروع مضاد؟ لا شيء أكثر من أن هذا الثلاثي يجتمع على مصلحة أخرى، هي مصلحة العراق

حفنة من سقط المتاع أصبحوا مليارديرات. وصعاليك من قاع العالم السفلي صاروا مدراء عامين ووزراء ويحملون رتبا عسكرية عالية ونوابا في البرلمان، وتقاسموا المناصب العمومية لا ليخدموها أو يخدموا شعبهم بها، ولكن لكي يخدموا أنفسهم ومصالح وليهم الفقيه.

كيف كان يمكن لهذا الحشد أن يفوز في أي انتخابات، في أي مكان؟

أما الادعاء بأنهم فازوا، وأن أعمالا مضادة مما ألفوا القيام به، هي التي أدت إلى خسارتهم في انتخابات أكتوبر الماضي، فهذه كانت مجرد تعبير عن الوقاحة والصلف، وللتغطية على بعض العار، لعلهم ينجون ببعضه الآخر. وكان ذلك هو سبب تمسكهم بإقامة “حكومة توافقية”، لكي يجعلوا منها سترا لما لم يعد يستره ستر.

أفلم يروا أن الملايين من العراقيين ظلوا يتظاهرون ضد فساد سلطتهم وتبعيتهم ومشروعهم الطائفي لأكثر من عام؟ أفلم يروا أن هذه السلطة سقطت، بما ارتكبت من مجازر؟ أم هذه كان لا يجب أن تنعكس على نتائج الانتخابات؟

ولكن الوقاحة، وقاحة في نهاية المطاف. وهي ذاتها وقاحة نموذجهم المثالي: حسن نصرالله في لبنان الذي “يقاوم” لحساب إيران على حساب وجود لبنان وعلى حساب خبز الملايين فيه.

مع ذلك، فإن خسارة جماعات “الإطار” يمكنها أن تقدم تحذيرا مبكرا لحزب الله في لبنان. صحيح أن هذا الحزب يأخذ من إيران ولا يعطيها، من جهة المال، إلا أن ارتباطه بمصالحها ومشاريعها، وتبنيه لخطابها الطائفي يجعله حتى حيال الكثير من شيعة لبنان مجرد حزب عمالة مبتذل، يحكم لمصلحة إيران لا لمصلحة لبنان.

مصالح الدول تتفاوت. والشعوب تستطيع أن ترى أين تقع الأضرار. حتى وإن كان ما يصل حزب الله من أسلحة وأموال، هو من جملة المنهوبات التي وفرها عملاء الولي الفقيه في العراق، فالإيرانيون ظلوا يعتقدون أن تقديم الأموال لرعاية حزب في لبنان، إنما يضرّ بهم وباقتصادهم.

وفي النهاية فإن الإيرانيين ليسوا أسعد حالا من العراقيين ولا اللبنانيين، لسبب جدير بالاعتبار هو أن آليات عمل أنظمة الفساد لا تدور إلا في إطار يخدم مصالح الفساد، فيغتني سقط المتاع، ويفقر الناس.

ماذا يفترض لذلك أن يعني

إنه يعني أن الارتباط بمصالح خارجية لا بد في النهاية أن يكشف العورات، فلا يُبقي للمأجورين مكانا. ببساطة لأن مجرى المصالح بين دولة وأخرى لا بد وأن يمضي كل في اتجاه. فما بالك حيال كيان مثل إيران لا يربطه بدول المنطقة إلا ما صنع الحداد، وإلا ما يؤدي إلى إثارة الانقسامات والصراعات الداخلية؟

شمس الحق التي بدأت تشرق في العراق بنهضة الوطنية العراقية من جديد، يمكنها أن تشرق في لبنان كما في سوريا واليمن. وهي ذاتها يمكن أن تشرق في إيران نفسها

المشروع الطائفي الإيراني إشكالي في إيران نفسها. وهو موضع نزاعات وانقسامات أهلية لا يمكن إخفاؤها هناك. فكيف إذا امتد هذا المشروع إلى بيئة مناهضة له بالأساس، أو تعرف أن استقرارها منوط بتحاشيه ودرء أخطاره؟

الآن. ما الذي يجمع بين مقتدى الصدر وبرهم صالح ومصطفى الكاظمي لكي يفوزوا بمشروع مضاد؟ لا شيء أكثر من أن هذا الثلاثي يجتمع على مصلحة أخرى، هي مصلحة العراق. هذا هو كل مغزى الكلام الذي تقدموا به للناس.

يمكن للسياسة بينهم، كما بين كل الآخرين، أن تذهب في أي اتجاه. إلا أن هؤلاء الثلاثة يقفون على ناصية مشتركة، هي الضفة الأخرى للخيارات.

قد لا يجدر منح الثقة لأحد بالمجان. ولكن إذا أمكن أخذ الالتزامات المعلنة التي ظل الصدر يرددها، فإنه يكون قد وقع على كنز سياسي يخلع عليه صفة وطنية لا يملكها التحالف الولائي المضاد.

الوطنية التي كانت بديهية من البديهيات حتى لم تكن شيئا منظورا كمعيار، عادت لتبرز كحد فاصل في عالم السياسة الراهن في العراق. ويمكنها أن تفعل الفعل نفسه في لبنان، كما في كل مكان.

أن ترعى مصالح العراق وشعبه وأجندته الوطنية شيء وأن ترعى مصالح إيران وأجندتها وسقط متاعها شيء آخر.

المصالح التي تتفاوت بين الدول، إنما تتفاوت بين الشعوب، كما لا بد وأن تتفاوت بين الأحزاب. ولا حاجة لتقديم أي برهان على أن جماعات “الإطار التنسيقي” وحشدهم الشعبي، مثلهم مثل حزب الله في لبنان، ليسوا سوى “طابور خامس”، مكشوف ومعلن وهم أنفسهم لا يتبرؤون منه ولا من طبيعتهم فيه.

ما يجمع بين مقتدى الصدر وبرهم صالح ومصطفى الكاظمي في التفاصيل قد يكون قليلا للغاية، إلا أنهم يجتمعون على واحد من أقدس العموميات التي ضيعها الولائيون: أأنت عراقي، أم أنت عميل لإيران (بشتى المعاذير والمسميات)؟

لقد باتت “الوطنية” كنزا سياسيا ثمينا. تلك التي كانت من البديهيات في غابر الأيام.

شكرا لإيران. شكرا لهذا البلد الذي جعل من نفسه ومن مشروعه الطائفي سببا لكي يكشف طابوره الخامس عن نفسه، وأن يجعله يتباهى، صلفا ووقاحة، بالعمالة لمشروع بلد آخر، تتفاوت مصالحه مع كل ما نعرف عن مصالحنا.

شمس الحق التي بدأت تشرق في العراق بنهضة الوطنية العراقية من جديد، يمكنها أن تشرق في لبنان كما في سوريا واليمن. وهي ذاتها يمكن أن تشرق في إيران نفسها، كبلد مختلف ذي مصالح مختلفة وليس بحاجة إلى إملائها بمأجورين أو عملاء.

أي شيء آخر هو بالأحرى مشروع تخريب. وككل مشروع تخريبي، فإنّ مآله الطبيعي هو الخسران.

علي الصراف

كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It