إصلاح العباد قبل إصلاح البلاد-علي السوداني

علي السوداني

 

يبدأ‭ ‬المسلسل‭ ‬التلفزيوني‭ ‬الطويل‭ ‬بحلقات‭ ‬تشويق‭ ‬وترغيب‭ ‬وترطيب‭ ‬وتفخيخ‭ ‬،‭ ‬ثم‭ ‬يقوم‭ ‬السيناريست‭ ‬الشاطر‭ ‬والمخرج‭ ‬الفائر‭ ‬بفصل‭ ‬التعقيد‭ ‬والتركيب‭ ‬والتدويخ‭ ‬مستهدفاً‭ ‬طبقة‭ ‬المشاهد‭ ‬الكسول‭ ‬البسيط‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يعرف‭ ‬رأسه‭ ‬من‭ ‬قدميه‭ ‬،‭ ‬وقبل‭ ‬النهاية‭ ‬بسهرة‭ ‬أو‭ ‬سهرتين‭ ‬يصعد‭ ‬بهم‭ ‬الى‭ ‬الذروة‭ ‬فتتقطع‭ ‬أنفاسهم‭ ‬وتتحول‭ ‬أعينهم‭ ‬وتطبل‭ ‬قلوبهم‭ ‬،‭ ‬ثم‭ ‬يقصفهم‭ ‬قصفة‭ ‬ما‭ ‬بعدها‭ ‬شك‭ ‬وقيام‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الأخير‭ ‬الذي‭ ‬ينتصر‭ ‬فيه‭ ‬البطل‭ ‬ويتزوج‭ ‬البطلة‭ ‬بانتظار‭ ‬تفريخ‭ ‬مسلسل‭ ‬تدويخي‭ ‬تضليلي‭ ‬جديد‭ ‬لتستمر‭ ‬اللعبة‭ ‬كما‭ ‬بدأت‭ ‬أول‭ ‬مرة‭ ‬وبنفس‭ ‬الطاسة‭ ‬والليفة‭ ‬والحمّام‭ !!‬

حدث‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬المكرور‭ ‬قبل‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأخيرة‭ ‬وخلالها‭ ‬وبعدها‭ ‬وصولاً‭ ‬الى‭ ‬لمة‭ ‬البرلمان‭ ‬الجديد‭ ‬الأولى‭ ‬برئاسة‭ ‬الشائب‭ ‬ورئيس‭ ‬السن‭ ‬وهو‭ ‬من‭ ‬كائنات‭ ‬المزاد‭ ‬البائر‭ ‬الكبير‭ ‬،‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬تشفع‭ ‬لها‭ ‬شيبتها‭ ‬وضحكتها‭ ‬ونكتتها‭ ‬وتلونها‭ ‬وتوزيعها‭ ‬المديح‭ ‬على‭ ‬وجوه‭ ‬الجميع‭ ‬،‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتعرض‭ ‬الى‭ ‬عدوان‭ ‬استعملت‭ ‬فيه‭ ‬الأسلحة‭ ‬البيضاء‭ ‬الموجعة‭ ‬،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬تالياً‭ ‬الى‭ ‬نقله‭ ‬صوب‭ ‬مشفى‭ ‬ابن‭ ‬سينا‭ ‬المجاور‭ ‬بسيارة‭ ‬اسعاف‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬معدة‭ ‬سلفاً‭ ‬لهذا‭ ‬الجزء‭ ‬الدراماتيكي‭ ‬من‭ ‬التمثيلية‭ ‬الضحلة‭ ‬والمستمرة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬المريض‭ ‬العليل‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ !!‬

الحلول‭ ‬كلها‭ ‬ديمقراطية‭ ‬وجميلة‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬التلفزيون‭ ‬وفي‭ ‬بناية‭ ‬فخمة‭ ‬ومدهشة‭ ‬هي‭ ‬الاخرى‭ ‬من‭ ‬مخلفات‭ ‬النظام‭ ‬البائد‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬الحقائق‭ ‬والوقائع‭ ‬في‭ ‬الكواليس‭ ‬والغرف‭ ‬والفنادق‭ ‬هي‭ ‬أفعال‭ ‬واتفاقيات‭ ‬ترقيعية‭ ‬تحاصصية‭ ‬توافقية‭ ‬طائفية‭ ‬عرقية‭ ‬مناطقية‭ ‬غبية‭ ‬وغير‭ ‬شريفة‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬أمراً‭ ‬ليس‭ ‬غريباً‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬رئاسة‭ ‬جمهورية‭ ‬المحمية‭ ‬الخضراء‭ ‬بتهنئة‭ ‬أحد‭ ‬الفائزين‭ ‬بالظفر‭ ‬بموقع‭ ‬شكلي‭ ‬على‭ ‬دكة‭ ‬رئاسة‭ ‬البرلمان‭ ‬قبل‭ ‬إعلان‭ ‬النتيجة‭ ‬بصورة‭ ‬قانونية‭ ‬ونهائية‭ !!‬

جلسة‭ ‬البرلمان‭ ‬الأخيرة‭ ‬كانت‭ ‬لوحة‭ ‬ناطقة‭ ‬لما‭ ‬آلت‭ ‬إليه‭ ‬صحة‭ ‬البلاد‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬على‭ ‬رأس‭ ‬قائمة‭ ‬الدول‭ ‬الأفسد‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض‭ ‬،‭ ‬والفساد‭ ‬المقصود‭ ‬هنا‭ ‬لم‭ ‬يستثن‭ ‬مفصلاً‭ ‬أو‭ ‬زاغوراً‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬يضرب‭ ‬بقوة‭ ‬حتى‭ ‬ما‭ ‬يفترض‭ ‬أنه‭ ‬مقدس‭ ‬ومحصن‭ ‬مثل‭ ‬الجيش‭ ‬والشرطة‭ ‬والأمن‭ ‬والمخابرات‭ ‬والمجاميع‭ ‬المسلحة‭ ‬الأخرى‭ ‬،‭ ‬والمسجد‭ ‬والوقف‭ ‬وديوان‭ ‬العشيرة‭ ‬والمدرسة‭ ‬والجامعة‭ ‬والمعمل‭ ‬والتجارة‭ ‬والصناعة‭ ‬والزراعة‭ ‬،‭ ‬حتى‭ ‬صارت‭ ‬الناس‭ ‬تفرح‭ ‬وتتعجب‭ ‬وتهنىء‭ ‬مواطناً‭ ‬ذهب‭ ‬صباحاً‭ ‬الى‭ ‬دائرة‭ ‬حكومية‭ ‬وأنجز‭ ‬معاملته‭ ‬الشرعية‭ ‬بوقت‭ ‬معقول‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يلجأ‭ ‬الى‭ ‬التوسط‭ ‬والتزوير‭ ‬ودفع‭ ‬رشوة‭ ‬غير‭ ‬مخجلة‭ ‬الى‭ ‬موظف‭ ‬على‭ ‬جبهته‭ ‬دمغة‭ ‬صلاة‭ ‬قاسية‭ ‬وموظفة‭ ‬مغطاة‭ ‬بحجاب‭ ‬عظيم‭ ‬ورحلة‭ ‬سعيدة‭ ‬لأداء‭ ‬العمرة‭ !!‬

‭ ‬

قيم الموضوع
(0 أصوات)
علي السوداني

كاتب عراقي

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه