ardanlendeelitkufaruessvtr

مأزق الشعب العراقي

بقلم إبراهيم الزبيدي كانون2/يناير 22, 2022 143

مأزق الشعب العراقي

هذه هي مشكلة العراق اليوم وبسببها أصبح العراقيون أكثر اقتناعا بأن تحقيق حلم الدولة العراقية المهابة العاقلة العادلة لن يتحقق ما دام الصدر والعامري والحلبوسي والبارزاني وقاآني على رأس الوليمة.

العراق إلى أين؟

ما نحن فيه اليوم في العراق بشأن الحكومة الجديدة ليس مأزقا لمقتدى الصدر وهادي العامري ونوري المالكي ومحمد الحلبوسي وخميس الخنجر وحزب الاتحاد الكردستاني، أبدا، بل هو مأزق مُرتّب بعناية للشعب العراقي الذي أصبح الذين يتحكمون بحياته ولقمة عيشه وكرامته ومستقبله هم أسوأ أبنائه، وأكثرهم انتهازية ونفاقا واستعدادا لبيع الغالي والرخيص لمن يدفع، حتى لو كان هو الشيطان الرجيم.

فالوضع الحالي بأدق تفاصيله هو أن إيران التي تتدخل في كل شيء في العراق تمكنت من التأكد من طاعة السياسيين المتصارعين في ما بينهم،  وضمان ابتعادهم عن كل ما يمس مصالحها الحيوية في الفترة القادمة.

ويقال إن قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني توصل إلى اتفاق مع مقتدى الصدر على العودة إلى البيت الشيعي الإيراني، مقابل شطب نوري المالكي من العملية السياسية في السنوات الأربع القادمة.

أما سلامة الدولة العراقية، وصيانة كرامتها، والحفاظ على هيبة رئاسة جمهوريتها وبرلمانها ومجلس وزرائها، فلا تعنيها بشيء. فقد تركت هذه الأمور الهامشية لوكلائها وحبايبها الشيعة والسنة والكرد يتصرفون فيها كما تشاء مصالحُهم الشخصية والحزبية والعشائرية، دون أي اعتراض.

وتأسيسا على هذا فقد تأكد أن قاآني لم يشغل نفسه بموضوع تثبيت الحلبوسي رئيسا للبرلمان، رغم كل الاعتراضات على ذلك، كما لم يمانع في تعيين رئيس جمهورية حرامي ومرتش ومزور ومتلاعب (حسب وصف التيار الصدري له عند استجوابه في البرلمان عام 2016)، ولا في عودة مصطفى الكاظمي رئيسا للوزراء، بعد أن تخلى الإطار التنسيقي عن اعتراضه عليه. وتقول أخبار المجالس المغلقة إنه ترك أمر اختيار رئيس الوزراء للتيار الصدري، حتى لو كان الكاظمي نفسه.    

ويخبرنا المقربون من عتبات المواقع العليا في العملية السياسية بأن الصدر لم يعد يرى في الميليشيات التي كان يسميها “الوقحة” واحدا من همومه، ولكن أكبر همومه الآن هو مسعود البارزاني الذي أصبح أكثر صرامة في مطالبه التعجيزية التي يصعب على مقتدى القبول بها لو لم يكن محتاجا لمقاعد الحزب الذي يملكه البارزاني.

وهذه هي التفاصيل. إن للحلبوسي والخنجر مصالح متعددة ومتنوعة في الإقليم، ومصيرها مرهون بكلمة يقولها مسعود أو ابنه أو ابن أخيه. وعليه فإن النواب السنة لن يعارضوا مطالب الأسرة البارزانية، حتى لو كانت تحرجهم إلى حد كبير، خصوصا إصرار مسعود على عدم ترشيح برهم صالح، والقبول بهوشيار زيباري رئيسا للجمهورية.

دون انتفاضة شعبية جديدة أعمق وأوسع وأشجع من سابقاتها تقلب الطاولة على هذه الشلة بكاملها لن يتحقق السلام ولا الأمن ولا الرخاء لهذا الشعب الذي أثقلت كاهله السنون

وفي ما يتعلق بهذه المسألة يتذكر العراقيون أن نواب التيار الصدري في عام 2016 لم يقتنعوا بتبريرات هوشيار، وزير المالية، يومها، بشأن المخالفات المثبتة عليه، فصوّتوا على إقالته من منصبه.

وبدل أن يُضيفوه إلى المالكي في ضرورة إحالتهما إلى القضاء لإثبات صدقهم في محاربة الفساد، فهم اليوم مطالبون بالقبول به لا وزيرا، كما كان، بل رئيسا للدولة العراقية التي يتغنى قائدهم بحرصه على هيبتها وكرامتها.

وبناء على هذه اللعبة السمجة المملة أصبح من حق العراقيين أن يتمثلوا بالقول السائد، ليس في الإمكان أفضل مما كان، وكأن انتفاضة تشرين الشجاعة، ودماء شبابها وتضحياتهم وآلامهم وأحزان أسرهم، أكلها الذئب وهم عنها غافلون.

نعم، إن العراقيين يريدون دولة مستقلة، وديمقراطية، وبلا وصاية أجنبية من صديق أو شقيق، ودون تدخل رجل دين في السياسة، أو بلا رئيس عشيرة إقطاعي ودكتاتوري، عربي أو كردي، يعبث بسلطة القانون ويتاجر بالمحرمات والمهربات. ولكن الذي يدور في العاصمة اليوم شيء آخر لا يسر صديقا ولا يغيظ عدوا، ويجعل المواطن العراقي يترحم على أيام إبراهيم الجعفري والمالكي والعبادي، رغم سوءاتها التي لا تعد ولا تحصى.

فمقتدى، أولا وأخيرا، رجل دين، بل سليل أسرة عريقة من رجال الدين، وبالتالي فمن الصعب عليه أن يتخلى عن ثقافة البيئة التي أنشأته على دكتاتورية الإمامة فيرضى بالديمقراطية بديلا. فطبيعة رجل الدين تقوم أساسا على الفتوى، وهي الكلمة العليا، واقعيا وتاريخيا، والتي لا يُسمح بمخالفتها، ولا بمناقشتها، لأنها كلمة الله ورسوله.

ثم إنه أول من أنشأ ميليشيا، وأول من سلحها، وأول من خالف القانون وأشرف بنفسه على أول عملية اغتيال سياسي في عراق ما بعد الغزو الأميركي، حين أمر، ودبر، ونفذ عملية اغتيال مجيد الخوئي عام 2003. وبالتالي فهو لن يتصرف إلا كما يتصرف رجل الميليشيا.

ثم إنه أحدُ الولائيين المؤتمنين، إيرانيا. يقول قيس الخزعلي، وكان أحد قادة جيش المهدي الذي يملكه مقتدى، في اعترافاته للمحققين الأميركان، إن “كل سلاح جيش المهدي وتمويله وتدريبه كان من إيران”.

إذن فهذه هي مشكلة العراق اليوم. وبسببها، وبسبب المشاكل الأخرى المرافقة لها والنابتة على ضفافها، أصبح العراقيون، اليوم، أكثر اقتناعا بأن تحقيق حلم الدولة العراقية المهابة العاقلة العادلة لن يتحقق ما دام الصدر والعامري والحلبوسي والبارزاني وقاآني على رأس الوليمة.

ودون انتفاضة شعبية جديدة أعمق وأوسع وأشجع من سابقاتها تقلب الطاولة على هذه الشلة بكاملها لن يتحقق السلام ولا الأمن ولا الرخاء لهذا الشعب الذي أثقلت كاهله السنون.

وأخيرا، تقول العصفورة إن إصرار البارزاني على عدم التجديد للدكتور صالح سببُه القريب أن رئيس الوزراء الكاظمي كان يمتنع عن تلبية بعض مطالب الأسرة البارزانية بمشورة صالح ونُصحه، وهما الصديقان الحميمان.

إنه سوق هرج حقيقي، ولا مكان فيه إلا لمن يعرف جيدا من أين تؤكل كتف العراق الذبيح.

إبراهيم الزبيدي

كاتب عراقي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It