ardanlendeelitkufaruessvtr

بحث في أصول الفكر الإرهابي لجماعة الإخوان المسلمين

 

أعداد

أستاذ مادة الفكر السياسي

الدكتور أنمار نزار الدروبي

 

مقدمة

أثار تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر على يد حسن البنا في عام 1928 العديد من التحولات والتطورات على المستويين الحركيّ والفكريّ، الذي امتد تأثيرهما إلى بعض البلدان العربيّة والإسلاميّة إذ كان لمؤسس الجماعة حسن البنا الأثر الكبير في صياغة فكر التنظيم من خلال رسائله وكتاباته التي تمثل الحلقة الأبرز في عملية التنشئة داخل الجماعة. حيث كان للفكر الوهابيّ السلفيّ تأثيرٌ مباشرٌ على أفكار حسن البنا في السنوات الأولى من تأسيس الجماعة إذ كان نشاطهم يتركز على العمل الإسلاميّ الإصلاحيّ الذي يقوم على فكرة الإصلاح الدينيّ ومعارضة التغريب، ذلك التغريب الذي أعدته الجماعة السبب المباشر في عرقلة عملية الاستقلال والتحرر، ومن هنا" كان ظهور جماعة الإخوان المسلمين في تلك الفترة نوعاً من الاستمرارية التاريخيّة لأن هذه الفترة هي فترة توجّه إسلاميّ عام ضد التغريب، وهي جزء من الصراع الحضاريّ الذي يتضمن في وجوده صراع ضد الاستعمار من أجل الاستقلال والتحرر"([1]).

ولعل من أبرز الأسباب والعوامل التي كان لها الأثر في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، انهيار الإمبراطورية العثمانية، وتفككها وإلغاء الخلافة الإسلاميّة عام 1924، تلك الخلافة التي كانت تمثل المرجعية السياسيّة والرمزية الإسلاميّة، وكذلك مجموعة من الأسباب السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة، بالإضافة إلى دور رشيد رضا في نشر الفكر الوهابيّ السلفيّ المتطرف في مصر وبدعم من المملكة العربيّة السعوديّة ومحاولته لتحويل مصر من التدين السُنيّ الصوفيّ المعتدل إلى الفكر الوهابيّ السُنيّ المتطرف وتحديداً التأثير في أفكار حسن البنا الذي كان يلجأ إلى الترقية الروحيّة بممارسات وطرق صوفية.

سيركز الباحث على جذور العقيدة الوهابيّة وانعكاساتها على تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وكيف انسحبت تلك الأفكار المتطرفة لإخوان نجد في السعوديّة على جماعة الإخوان المسلمين في مصر، فإخوان نجد هم" الدعوة النجدية أو الدعوة الوهابيّة التي تأسست في نجد في القرن الثامنَ عشرَ الميلاديّ على يد محمد عبد الوهاب، وكانت سمعتهم في القتل والتدمير ترعب الدول التي من حولهم، فالإعداد الفكريّ الذي كان فقهاء الوهابيّة يعدونه لشباب الأعراب النجديين بأن يتحول به الشاب الأعرابي إلى مقاتل عنيد يرى الجهاد في استحلال قتل كل من ليس وهابيًّا"([2]). وبالتالي انسحبت تلك الأفكار المتطرفة لإخوان نجد على جماعة الإخوان المسلمين في مصر في وَحدة النظريّة مع قدر من التنوع في التطبيق، وفي هذا السياق يمكن أن نسجل أوجه التشابه بين إخوان نجد في السعوديّة وجماعة الإخوان المسلمين في مصر كما يلي:

1. الحركتان تعملان معاً على نشر الوهابيّة وتعميمها كممثل للإسلام.

2. الوهابيّون السلفيّون وجماعة الإخوان المسلمون يناضلون من أجل إقامة الدولة الدينيّة.

3. نجحت الوهابيّة في السعوديّة في إقامة دولة دينية تحكم طِبقاً للحاكمية التي هو نوع من الاستبداد كانت تعرفه أوروبا بمبدأ الحق الملكيّ المقدس. في الوقت نفسه نشرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر ثقافة الاستبداد الدينيّ المنتمية للعصور الوسطى.

4. سعت الحركتان إلى إخضاع الفرد والمجتمع لمبدأ السمع والطاعة بدون مناقشة لوليّ الأمر، فالأمر والطاعة تمثل لهما عقيدة دينية وسياسيّة

5. صاغت الحركتان الفكر الوهابيّ في شعارات سياسيّة، مثل الإسلام هو الحلّ، وتطبيق الشريعة ([3]).

6.الالتزام بالمظهر الدينيّ: لقد حرصت الجماعتان في مصر والسعوديّة على الالتزام بالمظهر الدينيّ، كإطلاق اللحية وحلق الشارب، ومنع لبس الحرير والذهب.

7.ظاهرة العنف والتكفير وكراهية الآخر: اشتركت التجرِبتان في سمة العنف وظاهرة الإرهاب، وقد اعتمدت الجماعتان على مبدأ تكفير الآخرين ومصادرة الإسلام لحسابهم الخاصّ، فعلى سبيل المثال لا الحصر، حكم محمد عبد الوهاب بكفر الشيعة، وأعدّ بلادهم بلاد حرب.

8. العقليّة السلفيّة ونظرية الجهاد: دعت الجماعتان إلى العودة بالإسلام إلى أصوله الصحيحة التي كان عليها في عهد النبوة والسلف الصالح. كما أخذت الجماعتان بمبدأ الجهاد، وأعدُّوا التخلي عن الجهاد ردة وكفر، فلا يكفي أن تؤمن بمبادئهم بل يجب أن تجاهد من أجلها.

9.الموقف المعادي من الحضارة الغربيّة: كما رفض إخوان نجد المخترعات الحديثة، نلحظ أن جماعة الإخوان في مصر رفضوا أيضاً النظريّات العلميّة والفلسفيّة، وكذلك رفضوا الديمقراطيّة السياسيّة والليبرالية الفكريّة.

10. شكل المجتمع الإسلاميّ: لقد حرّمت الجماعتان الربا والقمار والخمر ومنعتا الاختلاط، واهتموا بتعليم الدين واللغة العربيّة.

11. التشابه في الاسم: وهو اسم الإخوان المقتبس من رابطة الإخوة الإسلاميّة.

.12قضية الصراع:

فإذا كان الصراع بين الدولة السعوديّة وجماعة الإخوان الوهابيّة في نجد في أواخر العشرينيات أدى إلى صدام دمويّ أسفر عن القضاء على إخوان نجد عام 1931 فهو ذات الصراع بين جماعة الإخوان المسلمين في مصر ومؤسسات الدولة المدنيّة الذي وصل ذروته في الأربعينيات من القرن الماضي إلى عمليات العنف المتبادلة بين الطرفين التي أدت إلى حوادث اغتيال بين الجماعة والدولة، وقد أسفرت عن مقتل رئيس الوزراء المصريّ النقراشي باشا عام 1948، وقتل حسن البنا عام 1949 ([4]).

لقد برز تأثير الفكر الوهابيّ وسيطرته على الجماعة بشكل كبير في مرحلة سيد قطب، وأصبح أكثر وضوحاً من عهد حسن البنا، وذلك لأن سيد قطب قد أحدث تحولات راديكالية في أفكار حسن البنا السياسيّة والدينيّة. وبالرغم من وجود قطب ومحمد عبد الوهاب مؤسس الوهابيّة في سياقين تاريخيّين مختلفين تماماً، فإن كلًّا منهما أعدّ المجتمعات المسلمة في عصرهما مجتمعاتٍ جاهلية. فمن وجهة نظر محمد عبد الوهاب كان السبب الرئيس لجاهلية المجتمع هو تفشي المعتقدات والممارسات الدينيّة المنحرفة والمناقضة لمسألة التوحيد، أما سيد قطب، الذي ينتمي إلى حِقبة ما بعد الاستقلال، فإنه يرى أن من مقتضيات الإيمان بالله والتوحيد، أنه يجب أن تكون النُّظم السياسيّة والاجتماعيّة متوافقة مع إرادة الله المتمثلة في شريعته. في الوقت نفسه انتقد قطب المجتمعات المسلمة لأنها احتفظت بالنظم السياسيّة والتشريعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة الغربيّة بدلاً من النظم الإسلاميّة. ومن هذا المنطلق يقول قطب:" إن المسلمين في عصره قد عادوا إلى حالة الجاهليّة، بل ينصّ على أن وجود الحياة الإسلاميّة والأمة الإسلاميّة بل وجود الإسلام ذاته قد توقف منذ فترة طويلة"([5]).

لكن في النهاية فإن هناك العديد من التشابهات بين الحركة الوهابيّة وأيديولوجيا جماعة الإخوان المسلمين بنسختها (البنّاوية والقطبية) إذ اعتبرت الحركتان أن الإسلام قد وصل إلى حالة كبيرة من التردّي في عهدهما، ويجب عودةُ المسلمين إلى الإسلام الصحيح، كما أن الوهابيّة وجماعة الإخوان المسلمين كان لهما موقفٌ سلبيٌّ مشتركٌ من علماء الدين التقليديّن واتهامهم بالمسؤولية عن أزمة الإسلام الراهنة ([6]).

ونتيجةً لذلك فقد أسهمت العقيدة الوهابيّة في تغيير أفكار حسن البنا وكذلك في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين إذ نقلت الجماعة من الإطار الصوفيّ الذي يعطي أولوية للجانب الروحيّ إلى الإطار السلفيّ الوهابيّ الذي يغلب عليه الاهتمامُ بالفكر العقائديّ وما يفرضه ذلك من صدام وممارسات متطرفة ضد كل من يختلف معهم في آرائهم وأفكارهم، ومن ثَم امتد هذا الفكر السلفيّ الوهابيّ، واجتاح جماعة الإخوان المسلمين منذ أوائل الخمسينيات، وتعزز هذا المد مع اشتداد الحملة الناصريّة على التنظيم وفرار عدد من كبار قيادات الجماعة واستقرارهم في دول الخليج العربيّ، ثم اشتد أكثر في حِقبة السبعينيات التي شهدت أقوى انطلاقة للتيار الوهابيّ داخل الجماعة بعد انتهاء المشروع القوميّ الناصريّ وهزيمة يونيو/ حزيران عام 1967، ثم موت جمال عبد الناصر عام 1970. ومن هنا يمكن أن نلحظ تحولا ًكبيراً في المنظومة الإخوانيّة على مدار أكثرَ من نصف قرن ([7]).

وتأسيساً لما تقدم أصبحت جماعة الإخوان المسلمين الواجهة الرسميّة للأيديولوجية الإسلاميّة التي اجتاحت مصر والعالم العربيّ التي كان شعارها إقامة الدولة الإسلاميّة، وهو شعار كان يستقطب بريقهُ قطاعاتٍ وشرائح واعمار بالغة التنوع والاختلاف إذ أن الأيديولوجية نفسها كانت تجذب إليها المتمردين ذوي النزاعات الثوريّة الراغبين في المواجهة العنيفة. لكن في الوقت نفسه طرأت تحولات عديدة وتغييرات في فكر الجماعة، كان أهمها الدخول البراغماتي الكثيف للإخوان في السياسة مما أدى إلى تخليهم عن الكثير من مبادئهم، مثل إقامة الدولة الإسلاميّة، وكذلك الخلافة الراشدة، والوحدة السياسيّة الجامعة لكل الأمة الإسلاميّة، بالإضافة إلى غياب مفاهيم أهل الذمة ([8]).

لقد كان لانتشار جماعة الإخوان المسلمين في دول عديدة له سياقات مختلفة، السبب في ظهور نسخ متعددة من أيديولوجيا الإخوان، فبالإضافة إلى النسخة الراديكاليّة لسيد قطب في مصر هناك النسخة الاشتراكيّة لمصطفى السباعيّ المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريَّا، والنسخة الليبرالية الديمقراطيّة للقياديّ الإخوانيّ التونسيّ راشد الغنوشيّ. ومن هنا فقد شملت أفكار جماعة الإخوان المسلمين ومعتقداتها على عدة اتجاهات فكرية، على العكس من الحركة الوهابيّة التي ظلت إلى حد كبير حركة محلية متحجرة عقائديًّا ([9]).

 

([1]) البشري، طارق، الحركة السياسيّة في مصر 1945-1952، الناشر، دار الشروق، القاهرة، ص41

([2]) صبحي، أحمد محمود، جذور الإرهاب في العقيدة الوهابية، الناشر، دار النصر، القاهرة، 2008، ص36

([3]) المصدر نفسه السابق، ص122 ص123 ولاحقا

([4]) للمزيد راجع، أبو الاسعاد، محمد، السعودية والإخوان المسلمون، الناشر، مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان، القاهرة، سنة الطبع، بلا، ص83ص84 ولاحقا

([5]) قطب، سيد، معالم على الطريق، الناشر، دار الشروق، القاهرة، 1979، ص91

([6]) للمزيد راجع، عفان، محمد، الوهابية والإخوان: الصراع حول مفهوم الدولة وشرعية السلطة، الناشر، دار جسور، لبنان، 2016، ص110ص11 ولاحقا

([7]) للمزيد راجع، تمام، حسام، تحولات الإخوان المسلمين: تفكك الأيديولوجيا ونهاية التنظيم، الناشر، مكتبة مدبولي، القاهرة، 2010، ص97ص98 ولاحقا

([8]) للمزيد راجع، تمام، حسام، تحولات الإخوان المسلمين: تفكك الأيديولوجيا ونهاية التنظيم، مصدر سابق، ص7ص8 ولاحقا

([9]) للمزيد راجع، عفان، محمد، الوهابية والإخوان: الصراع حول مفهوم الدولة وشرعية السلطة، الناشر، دار جسور للترجمة والنشر، لبنان، 2016، ص100ص101 ولاحقا

 

أضغط هنا لقراءة البحث

قيم الموضوع
(0 أصوات)
آخر تعديل على الإثنين, 07 آذار/مارس 2022 19:58
انمار نزار الدروبي

كاتب وباحث سياسي عراقي مقيم في بروكسل

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It