ardanlendeelitkufaruessvtr

ألذ خدعة في التاريخ

بقلم د. هيثم الزبيدي آذار/مارس 09, 2022 113

ألذ خدعة في التاريخ

المؤرخ يوفال نوح هراري يقول القمح أكبر خدعة في التاريخ. أنا أقول البسمتي ألذ خدعة في التاريخ.

البديل الأهم للطحين والخبز هو رز البسمتي

في كتابه الاستثنائي "العاقل: تاريخ موجز للبشر" يصف المؤرخ يوفال نوح هراري زراعة القمح بأنها أكبر خدعة في التاريخ. في لحظة أنثروبولوجية فاصلة، تعرّف البشر على حبة القمح وطحنوها وأكلوها. كرم السنبلة ملحوظ، فأكلوا أكثر. مع تحسن الغذاء، صاروا ينجبون أكثر. أسرة أكبر تحتاج إلى غذاء أوفر. زراعة القمح توفّر هذا الغذاء، لكنها تحتاج إلى أيد عاملة في الحقل، أي أولاد أكثر. وهكذا بدأت حلقة اعتماد البشرية، أو أسرها أو استعبادها إذا جاز التعبير، على القمح.

في القلب من حرب أوكرانيا، عاملان: الطاقة والقمح. أوكرانيا من أخصب بقاع الأرض. اسمها "سلة غذاء العالم". اسألوا المصريين، أكبر زبون للقمح الأوكراني، لتعرفوا ماذا يعني لهم: إنه "العيش". لا أعتقد أن هناك توصيفا أكثر دلالة.

اليوم العالم قلق على توفر القمح. في ليلة واحدة، قفزت الأسعار بنسبة 50 في المئة، وسيستمر ارتفاع الأسعار لما بعد الحرب.

عالمنا العربي من أكبر مستوردي القمح في العالم. خبران ترددهما وكالة رويترز: أسعار النفط، وكم اشترت هذه الدول العربية أو تلك من القمح الصلد أو اللين. "بركة" الانفجار السكاني في المنطقة "برعاية" القمح الأوكراني، والكندي والأسترالي بالطبع. الآن صار التهديد وجوديّا.

المصري قلق على "العيش". ساندويتش الفول مهدد. التونسي قلق على ساندويتش الطون والهريسة (التونة والشطة)، وقلق أكثر على صحن الكسكسي. شمال أفريقيا كله قلق على مصير الباستا. العراقي ابن الموصل قلق على البرغل. أما ابن بغداد والجنوب، فقلق على “ثريد البامية” الذي تصنعه “كرصة” الخبز. كل العراقيين قلقون على “الصمون” رفيق البيض والعمبة والقيمر. أنا قلق على تلك الخبزة اللذيذة في المغرب التي تجمع الخبز والزيتون معا.

اليوم أفكر: هل أنا مدمن خبز سابق؟ الحي الذي أقيم فيه في لندن غابة، وكثير من المنازل تحافظ على أشجارها كما تحافظ على أبنائها. كمية الأغصان والأوراق السنوية الناتجة عن التقليم والخريف هائلة. يلجأون إلى حرقها. وأنا أتمشى أشم رائحة تلك الأغصان المحترقة وأتذكر سيدتين من أحب الناس إلى نفسي: أم خالد جدتي وأم ثائر زوجة أبي. إلى آخر أيام حياتهما، رحمهما الله، حافظتا على تقليد الخبز في البيت. رائحة الأغصان المشتعلة، تستحث جوعا لخبز التنور اللذيذ. إدمان سابق، لأن هضم الخبز بالنسبة إليّ الآن ليس بالهين.

الطحين، والخبز، أقل اليوم وأغلى. هنا أقدم تجربتي عن البدائل.

البطاطا بديل. البريطانيون يعملون بديلا غريبا للساندويتش اسمه "جاكيت البطاطا": يشقون البطاطا المشوية بقشرها ويضعون في بطنها فاصوليا مطبوخة بمعجون الطماطم. مقترحان: جاكيت بطاطا بالفول في مصر؛ أو جاكيت بطاطا بالطون والهريسة في تونس.

تجربة ثانية من أهوار العراق: خبز "الطابك". كان هناك رز اسمه العنبر. اسمه يدل على رائحته. الآن هو من المحاصيل المهددة بالانقراض. لكن عجينته تصنع خبزا على الصاج، من ألذ ما تتذوقه في حياتك. لا أعتقد أن ثمة مشكلة في تعميم خبز "الطابك" على الرز الأميركي أو التايلندي. فقط النتيجة ستكون خبزا منزوعا من رائحة العنبر.

لكن البديل الأهم هو رز البسمتي القادم من باكستان والهند. هذا سحر وليس طعاما. أستطيع أن أفطر رزّا بسمتيّا "حاف". يوم تتعود عليه، تنسى البرغل والكسكسي والباستا.

هراري يقول القمح أكبر خدعة في التاريخ. أنا أقول البسمتي ألذ خدعة في التاريخ.

د. هيثم الزبيدي

كاتب من العراق مقيم في لندن

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It