ardanlendeelitkufaruessvtr

الأمن الغذائي التونسي لا يتحقق بجلد الذات

بقلم علي قاسم آذار/مارس 15, 2022 169

الأمن الغذائي التونسي لا يتحقق بجلد الذات

سبق لـ"مطمورة روما" أن قدمت للعالم أعظم مهندس زراعي هو ماغون القرطاجي صاحب أكبر موسوعة علوم زراعية، وبمقدور أحفاده اليوم أن يدخلوا موسوعة غينيس شرط أن يتخلوا عن تصيد أخطاء الماضي.

هل تعود كما كانت في الماضي، مطمورة روما؟

في عام 2010، قبل أحداث “الربيع العربي” ببضعة أشهر، تصادف وجودي في منطقة في الشمال الغربي من تونس، المنطقة التي لقبت يوما بـ”مطمورة روما”. ويقال إنها كانت تقدم ما يكفي لإطعام قاطني الإمبراطورية الرومانية من قمح وشعير.

سألت مُضيفي، وكان يملك أرضا تمتد على مساحة هكتارات واسعة، ما السبب في التقاعس عن زراعة هذه الأراضي التي تبدو لي خصبة، هل هو شح في المياه؟

لم أكن أتوقع الرد الذي سمعته. صمت قليلا، وأجاب بحزن لم يستطع إخفاءه، إنه شح في الأيدي العاملة. أو بلغة أخرى، هروب الشباب من الريف إلى المدينة.

 قد يكون الجفاف واحدا من بين العوامل، وكذلك أيضا نزوح الشباب من الأرياف، ولكنه بالتأكيد ليس كلها، وليس أكثرها أهمية أيضا.

تونس تنتج كفايتها من الخضروات والحمضيات والزيتون، وتصدر كميات كبيرة منها إلى أوروبا. واستهلاك هذه الزراعات من الماء لا يقل عن استهلاك الحبوب.

المعوقات التي حالت دون تحقيق الأمن الغذائي -خاصة من الحبوب- كثيرة؛ من بينها نقص المياه وتقلص مساحة الأراضي الزراعية بسبب التصحر وارتفاع نسبة الملوحة والزحف العمراني والهجرة من الريف نحو المدينة… والقائمة طويلة.

في السنوات التي تلت الاستقلال كانت الزراعة في تونس القطاع الأول من حيث الإيرادات ونسب التشغيل، وشكلت ما بين 20 و25 في المئة من ناتج الدخل الخام. اليوم هي 9 في المئة فقط. وتؤمّن فرص عمل لـ16 في المئة من مجموع الأيدي العاملة. أما صادراتها فلا تتجاوز 15 في المئة من صادرات تونس.

كان على الدولة التونسية، المستقلة حديثا، أن تبحث عن حلول اقتصادية لحل مشكلة التشغيل والإيرادات، وكان طبيعيّا أن تتوجه لتطوير الزراعة وهي في غالبيتها تقليدية وعائلية تنتج للاستهلاك المحلي.

العالم تغير بفعل التلوث والجائحة والتكنولوجيا. وإن أراد التونسيون إنتاج الحبوب من جديد ليعودوا كما كانوا في الماضي مطمورة للغذاء، بإمكانهم فعل ذلك

لتوفر الموارد المالية اللازمة اتبعت الحكومة حينها سياسة “التعاضديات”. ومع الانفتاح الكبير على المعسكر الغربي وفشل سياسة التعاضديات (1964 – 1969) قررت الحكومة تغيير سياساتها الاقتصادية، واختير الهادي نويرة، المعروف بنزعته الليبرالية، لهذه المهمة. وعلى مدى عشر سنوات (1970 – 1980) شهد الاقتصاد والمجتمع تغيرات جذرية، وكان القطاع الزراعي أكبر المتأثرين.

عرفت تونس في تلك الفترة تشجيعا للاستثمار الأجنبي، وتخلت عن الصناعات الثقيلة لصالح تطوير الصناعات الخفيفة، وأولت السياحة عناية خاصة.

الزراعة أيضا طالها التغيير، حيث اعتبرت الحكومة حينها -وهي على حق- أن استيراد الحبوب والسكر ومواد أخرى أقل كلفة من إنتاجها في تونس، لذلك شجعت المزارعين على إنتاج محاصيل مطلوبة في الأسواق الأوروبية، ساهمت في جلب العملة الصعبة للبلاد.

اتجه المزارعون خصوصا لإنتاج زيت الزيتون والحمضيات والتمور والخضروات وبعض أنواع الفواكه التي يسهل ترويجها. وكانت الحبوب والأعلاف هي الضحية في ذلك كله.

وسرعان ما أصبحت المنطقة التي طالما أشير إليها بمطمورة روما شبه مهجورة، بعد أن غادرها أبناؤها في اتجاه مدن الساحل والعاصمة تونس حيث الصخب وفرص العمل.

هذا كله قد يشجع على القول إن ما تواجهه تونس اليوم تتحمل مسؤوليته حكومة الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة ومعه الهادي نويرة.

استنتاج مثل هذا أقل ما يمكن أن يقال عنه: إنه متسرع. وإن أردنا أن نكون منصفين: خاطئ جملة وتفصيلا.

ما حصل لا يمكن تلافيه، وإذا كانت تونس لم تنهرْ حتى هذه اللحظة اقتصاديا واستطاعت أن تجابه هزات متعاقبة -بدءا بالأزمة المالية التي شهدها العالم عام 2008، وما تلاها عام 2011 من “ربيع عربي”، وما لحق ذلك من فوضى طالت دول الجوار وامتدت إلى اليمن، وانتهاء بعامين من جائحة ما زالت تشكل حتى هذه اللحظة تهديدات لاقتصادات العالم- فإن الفضل في ذلك يعود إلى الأساس الذي وضعت لبنته الأولى حكومة بورقيبة.

ما من شك في أن تونس تواجه اليوم تهديدا لأمنها الغذائي، سرّع فيه الغزو الروسي لأوكرانيا، وهو تهديد يعزى إلى عوامل عديدة، ليس من بينها ما يوجب جلد الذات.

كل المشاكل التي أدت إلى الوضع الذي وجد فيه التونسيون أنفسهم اليوم سببها أزمات عالمية لا تقتصر عليهم وحدهم؛ بدءا بالتغير المناخي، ومرورا بالهجرة من الريف إلى المدينة، ووصولا إلى وباء ما زال يلقي بثقله على مختلف القطاعات.

ولكنّ الحل لن يكون بالعودة إلى الوراء. وجلد الذات لن يؤدي إلى عكس التأثيرات المناخية، ولن يقنع الشباب بوجوب العودة إلى القرى التي هجروها، ولن يزيل ما خلفه الربيع العربي من فوضى، ولن يمسح آثار وباء لم تتم السيطرة عليه بعد.

ما من شك في أن التونسيين يستحقون وضعا أفضل بكثير مما هم عليه اليوم، ولكن لن يكون مجديا النظر إلى الخلف بحثا عن الحلول. الحلول موجودة في المستقبل وليس في الماضي.

إنتاج الحبوب في تونس بالطرق التقليدية لن يحل المشكلة، ببساطة شديدة لأن كلفة إنتاج كيلوغرام من الحبوب ستكون ضعف ما يكلفه استيرادها. أول خطوة في طريق الحل هي أن نعترف بأن العالم تغير ولم يعد كما كان، ليس قبل عشرين عاما، بل قبل عامين.

العالم تغير بفعل التلوث والجائحة والتكنولوجيا. وإن أراد التونسيون إنتاج الحبوب من جديد ليعودوا كما كانوا في الماضي مطمورة للغذاء، بإمكانهم فعل ذلك. ولكن بالبحث عن طرق جديدة، ليس من بينها حتما بذر الحبوب في تربة الشمال الغربي.

الحل في توظيف التكنولوجيا الذكية في القطاع الذراعي، ومثالها الزراعة العمودية التي تتطلب مساحةً أقل من الأرض، وتستهلك كميات أقل من المياه ومبيدات الأعشاب والمبيدات الحشرية، وتؤدي إلى فقدان أقل للمغذيات في البيئة والتربة.

يمكن للزراعة العمودية أن تنتج ما لا يقل عن 700 طن من الحبوب سنويًّا للهكتار الواحد.

كان الرقم القياسي العالمي لإنتاج الحبوب بالطرق التقليدية المسجل في موسوعة غينيس أقل من 18 طنا للهكتار حققته نيوزيلندا؛ أي من الممكن بالزراعة العمودية تحقيق إنتاج أكبر من هذا الرقم المسجل بـ100 مرة.

سبق لمطمورة روما أن قدمت للعالم ماغون القرطاجي، صاحب أكبر موسوعة علوم زراعية (28 مجلدا)، وهو أبرز علماء الفلاحة القدامى بشهادة شيشرون، وكانت الموسوعة مرجعا أساسيا في العصور القديمة لعدة قرون، وما زالت طرقه تُستعمل حتى يومنا هذا.

بمقدور أحفاد ماغون اليوم أن يدخلوا موسوعة غينيس في إنتاج الحبوب، شرط أن يتخلوا عن تصيد أخطاء الماضي ويشرعوا في البحث عن إيجابيات المستقبل.

هناك نبوءة تقول إن دولة عربية فقيرة ستصبح أكثر ثراء من كل دول الخليج. شكرا للعرافة التي خصت تونس بهذه النبوءة. ولكن، هل نحتاج إلى نبوءة لنقول إن تونس تمتلك من المقدرات ما يساعدها على الخروج من أزماتها، وتعود كما كانت في الماضي، مطمورة روما؟

علي قاسم

كاتب سوري مقيم في تونس

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It