ardanlendeelitkufaruessvtr

أحزاب تونس.. استقطاب الاهتمام ولو بالمتاجرة بمعاناة الناس

بقلم مختار الدبابي. آذار/مارس 19, 2022 123

أحزاب تونس.. استقطاب الاهتمام ولو بالمتاجرة بمعاناة الناس

الأحزاب التي حكمت أو التي لعبت دور مهرج يعطل كل شيء باتت توظف ورقة الأوضاع الاقتصادية في لعبة الاستقطاب السياسي ضد قيس سعيد وتتهم حكومة نجلاء بودن بالعجز عن توفير الغذاء.

أوضاع اقتصادية صعبة

تتحرك المعارضة التونسية في وقت واحد للضغط على الرئيس قيس سعيد مستثمرة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد، وهي أوضاع ورثها الرئيس سعيد عن الحكومات السابقة التي شكلتها الأحزاب وفق تحالفات هشة ركزت على المصالح السياسية وأغفلت الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي يسير الآن نحو الانفجار بسبب أزمة الغذاء العالمية وارتفاع الأسعار.

والمفارقة هنا أن الأحزاب التي حكمت أو التي لعبت دور المهرج الذي يعطل كل شيء باتت الآن توظف ورقة الأوضاع الاقتصادية في لعبة الاستقطاب السياسي، وتتهم حكومة نجلاء بودن بالعجز عن توفير الغذاء وأن ثمة جوعا في تونس.

ربما يجد هذا الخطاب صدى لدى الناس في ظل المخاوف من الأزمة، ومع توسع اللهفة على شراء المواد الأساسية وتخزينها قبل شهر رمضان، لكنه بالتأكيد لن يصبّ في صالح الأحزاب يمينها ويسارها ووسطها. ويمكن لأيّ ملاحظ أن يكتشف بيسر أن الغضب في الشارع لا يتوجه إلى قيس سعيد ولا إلى حكومة بودن حتى وإن كان الناس يعترفون بأنها حكومة مرتبكة وأن رئيستها قليلة الكلام، وإنما يتوجه إلى الأحزاب التي تطالها اتهامات كثيرة لعل أبرزها أنها حمت المحتكرين وتركت لهم الحبل على الغارب ليفعلوا ما يشاؤون دون ردع، وهذه حقيقة.

◙ القوى الليبرالية واليسارية في تونس لم تنجح بعد في تحديد الفوارق بين الخلاف على القضايا الجزئية (بين قوى من نفس الأرضية السياسية والقيمية) والعدو الاستراتيجي

لم تكن الأحزاب تهتم للقضايا الاقتصادية والاجتماعية، ولم تكن تستجيب لشكاوى الناس بشأن قضايا الاحتكار وارتفاع الأسعار، ولم تكن هذه المسائل تحظى باهتمام الحكومات ولا البرلمان، ولم يتصارع النواب لأجلها وإنما تصارعوا لسنوات لتصفية حسابات سياسية وحزبية بعضها بأجندات داخلية وأخرى بأجندات خارجية.

لقد أثبتت سنوات حكم الإسلاميين والأحزاب الليبرالية أو وسط اليسار التي تحالفات معهم أن الأحزاب في تونس لا تمتلك عمقا اجتماعيا، ليس فقط بما معناه أن انتماءها هامشي وليس عضويا، ولذلك لم يتعاطف معها الناس بما يكفي في زمن الرئيس الراحل زين العابدين بن علي وكذلك ما بعد إجراءات قيس سعيد 2021 التي قادت إلى تجميد البرلمان ونشاط النواب.

الأمر أعمق من ذلك، فخطابها وأجنداتها تظهر أنها لا تشعر بانتمائها إلى المجتمع، ولا تفكر فيه، ولا تعرض برامج وخططا تفصيلية للتغيير كما تفعل الأحزاب في أوروبا والولايات المتحدة. ليست واعية بأن دورها هو تحسين ظروف عيش الناس والاشتغال على تطوير البرامج الاجتماعية التي تخلق فرص العمل وتوفر المزيد من الخدمات، وضخ الاستثمارات ولو كانت محدودة لتطوير البنية التحتية، وتطوير القوانين وأداء الإدارة لاستقطاب المستثمرين المحليين والأجانب وخلق مناخ إيجابي (أمني وسياسي واجتماعي وقانوني) يشجع الشركات على تفضيل تونس كوجهة استثمارية.

هذا لم يحصل لسبب أساسي، وهي أن الأحزاب تنظر بانتهازية إلى وجودها، وفي ظل ضعفها وافتقارها إلى العمق الاجتماعي، فهي ترى في صعودها إلى الواجهة فرصة للتغلغل في الدولة وتحصيل أكثر ما يمكن من المكاسب لنفسها ولأنصارها وحلفائها، وهذا ما يفسر الاختراق الذي يحصل بفكرة أن من حقها الاعتماد على من يدعمون برامجها وينفذونها ويسهّلون عليها العمل.

وبهذه العقلية الانتهازية تم إغراق مؤسسات الدولة بعشرات الآلاف من الموظفين الجدد ليس فقط بسبب الولاء، ولكن أيضا للتغطية على العجز عن استقطاب الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد وتحسين أوضاع الناس. وتحملت الدولة هذه الأعباء خلال عشر سنوات، ما جعل مهمة الإصلاح الاقتصادي صعبة، وفشلت كل الحكومات السابقة في الاقتراب منها لأن أهم شروط الإصلاح هو التوقف عن هذا الإغراق وتحرير الدولة منه، وهو ما كان سيضع تلك الأحزاب في مواجهة مع الشارع في الوقت الذي كانت فيه تريد شراء السلم الاجتماعي للاستمرار في مهمة الاختراق.

وبالنتيجة، فإن اتهام قيس سعيد وحكومته بتجويع الناس والتسبب في رفع الأسعار والعجز عن توفير المواد الغذائية هو لعبة من ألعاب الركوب على الموجات الاجتماعية التي تخصصت فيها الأحزاب منذ أحداث الخبز عام 1984. وأقصى ما يمكن أن تلعبه أحزاب بلا عمق اجتماعي هو أن تظل على الربوة وتبادر لكتابة البيانات مع كل حدث أو أزمة ومحاولة تقديم نفسها كبديل، ولكنه بديل افتراضي ليس أكثر.

وكل هذا يظهر أن قيس سعيد كان على حق حين أهمل هذه الأحزاب وقطع الطريق أمام ركوب بعضها موجة الخامس والعشرين من يوليو والاستفادة منها والظهور بمظهر الفاتحين. الرئيس سعيد لديه مزاج خاص وأسلوب في تحييد الطامعين والمصفقين والمنافقين يقوم على الإهمال، وفيه رسالة خفية لمن أسموا أنفسهم في فترة ما “حزام الرئيس” بأن من يريد أن يحكم عليه بالعمل والبحث عن العمق الاجتماعي والفوز بثقة الناس وليس بركوب الموجات. وصدم هذا الأسلوب أحزاب “حزام الرئيس”، وفيها من انكفأ وبات يكتفي ببيانات باردة مثل حركة الشعب، وفيها من تحول إلى خصم أكثر عدوانية مثل حزب التيار الديمقراطي ومؤسسه محمد عبو الذي انتقل من النقيض إلى النقيض، من حث قيس سعيد على تفعيل الفصل 80 إلى دعوة الجيش إلى عزله، ومن شيطنة حركة النهضة الإسلامية إلى عرض الحوار معها ووضع اليد في اليد مجددا كما حصل في حكومات سابقة.

وقال الأمين العام لحزب التيار الديمقراطي غازي الشواشي في تصريح لوسائل إعلام محلية، إن حزبه مستعد للحوار مع حركة النهضة ومع عبير موسي (رئيسة الحزب الدستوري الحر) إن قبلت بذلك، موضحا “مستعدون للحوار مع كل الأطراف التي تؤمن بالدولة المدنية والتجربة الديمقراطية وتعطي قيمة للدستور، ومستعدة للقيام بتنازلات وتضحيات من أجل إنقاذ البلاد دون شروط”.

◙ الأحزاب التي حكمت أو التي لعبت دور المهرج الذي يعطل كل شيء باتت الآن توظف ورقة الأوضاع الاقتصادية في لعبة الاستقطاب السياسي

لكن اللافت في حملات الأحزاب هو دخول عبير موسي زعيمة الحزب الدستوري الحر، الخصم القوي لحركة النهضة، في الحملة على قيس سعيد وبأقصى عبارات التنديد، والتلويح بتنفيذ أيام غضب في مختلف المناطق وتنظيم مسيرة ضخمة نحو قصر قرطاج، في صورة “تعنت رئيس سلطة تصريف الأعمال”، وهو التوصيف الذي دأبت على إطلاقه على رئيس الجمهورية بعد إجراءات الخامس والعشرين من يوليو.

وتقول أوساط سياسية تونسية إن قيس سعيد نجح في تحقيق ما سعت إليه عبير موسي بإسقاط حكم الإسلاميين، لكنه نجح في حجب الأضواء عنها، وبات يهدد شعبيتها لدى القوى الدستورية والليبرالية وداخل الشارع المعادي لحركة النهضة، وأنها اضطرت لأن تصعّد خطابها ضده لتستعيد بريقها وتحافظ على وضعها كخصم أول للإسلاميين، وأنها تثمل رأس حربة في الدفاع عن هوية الدولة الوطنية. وبات التنافس على الزعامة يباعد بين قيس سعيد وعبير موسي، في حين كان يفترض أن تكون حليفه الرئيسي، وما يجعلها تعمل بما يخدم النهضة.

وباتت عبير موسي تردد خطاب النهضة بحذافيره في نقد قيس سعيد وأدائه ومراسيمه وخططه، وإن كانت تورد جملا اعتراضية أحيانا لتقول إنها مازالت ضد النهضة ورئيسها راشد الغنوشي.

إن القوى الليبرالية واليسارية في تونس لم تنجح بعد في تحديد الفوارق بين الخلاف على القضايا الجزئية (بين قوى من نفس الأرضية السياسية والقيمية) والعدو الاستراتيجي (اختلاف جوهري في النمط المجتمعي)، وهي النقطة التي ستستفيد منها النهضة في الاستقطاب ولتظل دائما في الواجهة.

مختار الدبابي

كاتب وصحافي تونسي

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It