ardanlendeelitkufaruessvtr

أربيل الربيع والحَدَث

بقلم د. ياس خضير البياتي آذار/مارس 22, 2022 117

أربيل الربيع والحَدَث

 

د. ياس خضير البياتي

 قصة من التاريخ والحاضر؛ عام 1258 زحف هولاكو المغولي نحو بغداد المزدهرة التي استباحها قتلا ونهبا وحرقا وتخريبا بعد أن حاصرها 12 يوما، وفي عام2022 ضربت إيران مدينة أربيل بـ 12 صاروخا باليستيا وبالذات يوم 13 من هذ الشهر لتحدث دمارا في أماكن مدنيّة، وقنصلية أمريكية تحت الإنشاء.

وما بين الحدثين مشتركات ؛12 صاروخا على أربيل و12 يوما حصارا على بغداد، والمستهدف بغداد التي كانت حاضرة الدولة العباسية ورمز الازدهار، وأربيل عاصمة السياحة العربية المتفوقة بجمالها ونظافتها ورونقها البهي. والفاعل واحد بالسلوكيات؛ حاقد على الحياة والتنمية والازدهار.

أربيل هي قصة نجاح اقتصادي وأمني وسياحي واستثماري وعمراني، مثلما هي قصة نجاح في التسامح السياسي، وعمق حضاري موغل في القدم، حيث تمثل احدى الرموز التاريخية لأقدم المستوطنات الآهلة بالسكان بدليل الطبقات المتعاقبة للحضارات السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والفارسية والإغريقية والإسلامية والعثمانية. وهي رابع مدينة من حيث المساحة في العراق، والسادسة من حيث عدد السكان.

وبمنطق الزمن والتاريخ، فان التاريخ قد لا يعيد نفسه، ولكنه يتشابه كثيرا (مارك توين)، رغم إن هناك نظريات تتحدث عن التكرار على الماورائيات أو التكرار التاريخي لعقيدة “العَود الأبدي”. ومع ذلك فأن قصص التاريخ توحي بتشابه الأحداث والشخصيات مع العصر الحديث. فأيران تعيد قصص التاريخ بطريقة “التكرار التاريخي” متلذذة بالدمار والخراب على أصوات الصواريخ، مثلما فعلها الإمبراطور الروماني نيرون الذي جلس على عرشه مستمتعا بمشهد حرق جنوده لروما على وقع عزف الموسيقى.

ما بين الماضي والحاضر، وفكرة ما إذا كان التاريخ يعيد نفسه بمنطق” قوانين التغطيّة”، وما نشهده الآن من هذا العبث الإيراني لتحطيم سيادة العراق، وتدمير أركان الدولة العراقية وتفقيرها سياسيا واقتصاديا، وجعلها حطاماً من الحديد الصدأ، إنما هو عبث بعقل مصاب بمرض العظمة، وتقمص وجداني لعودة الروح إلى الإمبراطورية الفارسية.

ومهما كانت التبريرات لهذه الصواريخ، فأن أربيل مدينة عراقيّة، لها نوابها وتمثيلها السياسي في الحكم والبرلمان العراقي، مثلما لديها كيانها الفيدرالي المرتبط بالدولة الاتحادية. وضربها بالصواريخ يعتبر انتهاك لسيادة العراق، لكنه تحصيل حاصل لضعف السلطة الاتحادية والعملية السياسية ومن يقودها من زعاطيط السياسة ولصوصها الذين جعلوا العراق “حايط نصيّص”، وملعبا دوليا لكُل من هَبّ ودَب.

كنت أتمنى من أيران أن تطلق صواريخها على تل أبيب بدلا من أربيل، لأن لديها رجال لا يبعدون سوى أمتار عن حدود “إسرائيل”، إلا إذا تم تغيير سياستها الصوتية، واستراتيجيتها الافتراضية. مثلما كنت أتمنى من سلطة بغداد أن تكون أكثر جرأة في اتخاذ قرار الرد، ولاتكتفي بالبيانات الجاهزة، وزيارات التعزية والرثاء، ولا لجان التحقيق وطلب التوضيحات. فقد قالت إيران علانية بأنها من أطلقت الصواريخ، وعللّت الأسباب بالتفصيل. وأضافت بمنطق التهديد والعجرفة أن ” إيران لن تساوم على أمنها ..ولم نستهدف سيادة العراق ” ؟!

بالمقابل هناك تفاوت في ردود الفعل، فقد كان موقف السيد الصدر والسيادة أكثر وضوحاً، بينما عاشت أحزاب الإطار التنسيقي غيبوبة سياسية مرتبطة بالولاء لإيران، وزواج متعة أبدية بها. وكل الأحداث تظهر لنا انتقائية و”طنية ” آزاء الدول، حيث تشتد حرارتها عندما تعبّث بعض دول الجوار من غير إيران في حدودنا، وقتها يصبح الوطن سلعة للمزايدات السياسية، وتتسابق الأحزاب لنيل شرف ” الوطنية” نفاقا من أجل ترضية الحاكم الفعلي للعراق، ونيل اوسمه العمالة!

هناك صمت مطبق عند البعض بفعل الأحقاد العنصرية العفنة. وهناك من الوطنيين، وان اختلفوا أو اتفقوا مع الإقليم، ينظرون لهذه الصواريخ بمثابة تهديد لجغرافية العراق ووحدته الوطنية، وجمال الانتماء الوطني، لأن ما حدث هو بمثابة قتل الوطن بمساحته البشرية والجغرافية من أعالي جبال الشمال إلى أقاصي سهول الجنوب.

أربيل تعيش اليوم أعياد نوروز، وربيع الحياة، وتتزين بسحر الزهور وبعطرها، بعد أن استيقظت قبل أسابيع على أصوات الصواريخ القادمة من إيران لا يقاف ربيع الحياة، وتدمير غابات التين والجوز والبلوط.

لن تسقط أربيل بتكرار التاريخ، مثل كل المدن العراقية، وهي ليست مكانا للعبث والفوضى وتدمير الحياة، ولا عدوة للآخرين. أنها ربيع نوروز المحبة المتوهجة بشمس السلام والتسامح، وزراعة الياسمين والزيتون والرمان بدلا من زراعة الرصاص والحروب.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It