ardanlendeelitkufaruessvtr

آفة حارتنا تحريم الفنون

بقلم نور يوسف آذار/مارس 31, 2022 104

آفة حارتنا تحريم الفنون

اليوم بدلا من أن يصبح الفن والإبداع وسيلة العقل للتغلب على الضغط النفسي أصبح عبئا نفسيا جديدا من الشعور بالذنب فأصابنا الجفاف الفني والجدب الروحي والفقر المعرفي.

تحريم الفنون هو أحد أهم الأسباب التي أدت لتزايد موجات العنف

عندما كتب الأديب العالمي نجيب محفوظ رائعته المعنونة بـ”أولاد حارتنا” ساق فيها حكمته الشهيرة قائلا “في حارتنا إن لم تكن فتوة فلتعد قفاك للصفع”. وبالرغم أنها حكمة بديهية فالعالم قائم بالفعل على تراتبية القوة وأن القوي يأكل الأضعف، إلا أن الفنان المصري توفيق الدقن يقف بعد سنوات ليتساءل قائلا “جرى إيه في الدنيا لما كل الناس دي فتوات أومال مين اللي هينضرب!” ووجدتني أتساءل هل صحيح كل الناس أصبحت فتوات؟ لكن الواقع أن كل من حولك من الناس لا ينفكون عن الشكوى من الظلم والقهر والكل يدعي المظلومية حتى أن ذلك قد لفت نظر الدكتور عصام الخواجة أستاذ الطب النفسي فأصبح يردد مقولته الشهيرة مكررا إياها في كل محاضراته “كفوا عن الولولة”. فوجدتني أقلب تساؤل الدقن قائلة لما كل الناس دي بتنضرب أومال مين الفتوة؟

الحقيقة أن كل الناس أصبحت فتوات وفي نفس الوقت بتنضرب في تبادلية عجيبة بين دور الظالم والمظلوم حتى أصبح كل شخص ظالم مظلوما، وهذا ما أسماه فرويد في شرحه لميكانزمات الدفاع النفسي “بالإزاحة”، وهي إعادة توجيه الشعور السلبي المسبب للتوتر والضعف إلى ضحية أخرى أكثر ضعفا، فالأمر شبيه بالقانون الفيزيائي “لكل فعل رد فعل”، فعندما يقع الإنسان ضحية لظلم أو لقهر أو استبداد لا يستطيع أن يقاومه يقوم العقل بعمل بعض الحيل النفسية لتخفيف وطأة الفعل حتى يحمي نفسه ومن هذه الحيل النفسية هي حيلة الإزاحة.

لشرح الأمر بشكل عملي بسيط تخيل مثلا أنك تعمل في مؤسسة ما وقام صاحبها بظلم رئيسك في العمل وإهانته، لأي سبب سيقوم رئيسك بدوره بإهانتك أنت للتنفيس عن غضبه والتخفيف من حدة التوتر لديه، فتقوم أنت بإزاحة هذا الفعل إلى عامل البوفيه مثلا الذي سيقوم بدوره بإهانة زوجته وتعنيفها، وستقوم هي بالإزاحة إلى أطفالها الذين سيتولون الإزاحة بطريقتهم الخاصة.

لم تكن الفنون يوما ما مرتبطة بالرفاهية، ولكنها ارتبطت بشكل مؤسف في العقود الأخيرة بحسن وسوء الإيمان، فحرم الغناء والعزف والنحت والرسم والرقص

هل ترى الأطفال الذين يقومون بتعذيب الحيوانات في الشارع أو يقذفون القطارات المارة بالحجارة أو يقطعون مقاعد الحافلات بالموسى ويشوهون الجدران في المدينة!

وهكذا أصبح كل فرد ظالم ومظلوم فتوة ومصفوع في مجتمع قد لا يتوفر فيه قانون يمنع رئيسك في العمل من ظلمك أو إهانتك، أو لا توجد لائحة جزاءات إن كانت هناك واقعة تمثل خطأ ما يستوجب العقاب بما لا يهين كرامتك، أو قانون يمنع الزوج من إهانة أو ضرب زوجته، ولا يوجد ما يمنع الآباء والأمهات من الاعتداءات الجسدية أو النفسية على الأطفال. وهكذا، لا توجد قوة الضغط الحقوقي الذي قد يمنع الكثير من الإزاحات التي يفعلها الإنسان بلا وعي ويظلم بها غيره ويحد من موجات العنف.

أتذكر منذ سنوات مع الضغط المتزايد في العمل مع عدم وجود أي فرصة لترك العمل أو الحصول على الحقوق المسلوبة، عدت إلى منزلي وأمسكت بالقلم وسطرت أول قصة قصيرة في حياتي سردت فيها موقفا ما حدث في العمل، ولكنني قمت بدمج بعض العبارات والتلاعب بالكلمات لجعل القصة مزيجا بين الضحك والبكاء بما يسمى “الكوميديا السوداء”. وعندما نشرت القصة فوجئت باستحسان كبير من القراء ومطالبات بالمزيد فكنت في كل مرة أواجه موقفا صعبا لا أستطيع تجاوزه أسطر قصة على الورق وأصبحت أيضا أرى في كل أزمة فرصة جديدة لعمل إبداعي جديد أثأر فيه نظريا ممن يؤذونني وأتلقى استحسانا على كتاباتي يدعمني معنويا ويريحني نفسيا.

وعرفت بعد ذلك بعدة سنوات أن ما فعلته أنا هو من الحيل النفسية التي شرحها فرويد أيضا وأسماها “التسامي”، وهو تحويل الطاقة السلبية المسببة للتوتر والضغط إلى عملية إبداعية، ويرى علماء النفس أن التسامي علامة على النضوج ومن أكثر الميكانزمات الدفاعية إيجابا ورقيا، فلماذا اتجه مجتمعنا إلى الإزاحة مستبدلا بها التسامي الذي هو أرقى وأفضل؟ منذ متى؟ هل موجة تحريم الفنون في العقود الأخيرة وشيطنتها أدت لنوع من الجفاف الشعوري والحسي مما تسبب في زيادة موجات العنف في المجتمع؟ لا يوجد إنسان لا يمتلك ذائقة فنية ما، أو لا يمتلك موهبة ما، فمن لا يستطيع الكتابة قد يستطيع الرسم أو الشعر والزجل أو العزف على الطبلة أو يمتلك مهارة اليدين في تحويل الأخشاب إلى طاولات أو غزل النسيج.

إن بدايات الإنسان الفنية كانت منذ ثلاثين ألف عام مضت بالرسم على جدران الكهوف، وقد روى ويل ديورانت في الجزء الأول من كتابه “قصة الحضارة” كيف نشأت الفنون كالرقص والعزف على الآلات الموسيقية المصنوعة من قرون الحيوانات وأصدافها وكيف تطور الرقص بداية من محاكاة الحركات ثم الأفعال ثم الأحداث. ولا توجد حضارة لا تحتوي على مهرجانات واحتفالات جماعية وكان الفن كما يعبر عن ثقافة المجتمع يعبر كذلك عن معتقداتهم وأفكارهم وهو ما حفظ لنا تأريخهم ودلنا عليهم.

ولم يرتبط الفن بالرفاهية أبدا، فقد كان الفلاح المصري يجلس على حافة الترعة ليعزف على الناي أو الربابة، وكان عمال التراحيل ينشدون الأهازيج أثناء العمل وجمع المحاصيل في الحقل، وكانت الجدات الريفيات ينقرن على الدفوف ويغنين في التجمعات الريفية، وكانت الفرق الصوفية تقوم بالرقص والغناء بل وكانت النساء البسيطات يقمن بعمل حفلات الزار لأجل الرقص والصياح والغناء لتخفيف حدة التوتر لديهن. فالفن مرتبط بالإنسان وليس بالرفاهية.

كانت مدارسنا تعلمنا العزف والموسيقى والغناء والرسم والزراعة والتدبير المنزلي، كنا نكون الفرق والمجموعات لعمل اللوحات ونتشارك في العروض الفنية وكنا نقف مشدوهين منبهرين عندما كان معلم التربية الفنية يقوم برسم الجدارية السنوية على حائط المدرسة. يرسم حورية بحر ذهبية الشعر يغازلها بحار رث الثياب يعزف على قيثارته.

كانت أمي في معهد التربية الرياضية تتلقى حصصا للرقص والجمباز والبالية وعضوا في فرقة للفنون الشعبية وفرقة مسرحية، حتى أنها مثلت عرضا فنيا قامت فيه بدور شاب وارتدت ثياب الذكور واستعارت شاربا وقبعة وكانت تحتفظ بصورتها بتلك الثياب تخليدا لذكرى العمل الفني.

حتى جدتي التي لم تتلق إلا التعليم الأساسي كانت تكتب لجدي الخطابات تحكي فيها ما يمر بها من أحداث وظروف صعبة أثناء غيابه بلغة أدبية راقية، وكانت تصنع المفروشات اليدوية المتقنة تزين بها الطاولات والأرائك حتى أنك تكاد ترى الإبداع متجسدا بألوان زاهية في أرجاء المنزل.

لم تكن الفنون يوما ما مرتبطة بالرفاهية، ولكنها ارتبطت بشكل مؤسف في العقود الأخيرة بحسن وسوء الإيمان، فحرم الغناء والعزف والنحت والرسم والرقص حتى أن الكثير ممن يمارس تلك الفنون يشعر في قرارة نفسه بالذنب ويرتجي التوبة فبدلا من أن يصبح الفن والإبداع وسيلة العقل للتغلب على الضغط النفسي أصبح عبئا نفسيا جديدا من الشعور بالذنب، فأصابنا الجفاف الفني والجدب الروحي والفقر المعرفي.

ولما لم ولن تتوقف نوائب الحياة يوما عن إصابة الناس بالضغط والظلم، بالتالي ستقف الطاقة النفسية السلبية حائرة إلى أين تذهب، فلن تجد إلا العنف وتصدير العنف للغير ليحصل الإنسان على راحة نفسية عن طريق إزاحتها للأضعف ولذلك فإن تحريم الفنون هو أحد أهم الأسباب التي أدت لتزايد موجات العنف في العقود الأخيرة فأصبحت آفة حارتنا هي تحريم الفنون. الفنون كما وصفها معروف الرصافي قائلا:

كل الناس أصبحت فتوات وفي نفس الوقت بتنضرب في تبادلية عجيبة بين دور الظالم والمظلوم حتى أصبح كل شخص ظالم مظلوما

إن رمت عيشا ناعما ورقيقا..

فاسلك إليك من الفنون طريقا

واجعل حياتك غضة بالشعر..

والتمثيل والتصوير والموسيقا

تلك الفنون المشتهاة هي التي..

غصن الحياة بها يكون وريقا

وهي التي تجلي النفوس فتمتلي..

منها الوجوه تلألؤا وبريقا

وهي التي بمذاقها ومشاقها..

يمسي الغليظ من الطباع رقيقا

واترك مجادلة الذين توهموا..

هرج الغناء خلاعة ومجونا

أفأنت أغلظ مهجة من نوقهم..

فقد استحثوا بالحداء النوقا

نور يوسف

كاتبة مصرية

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It