ardanlendeelitkufaruessvtr

آخر قلاع الحب

آخر قلاع الحب

 

جليل وادي

قد تقضي نهارك مترنما  بصوت شجي ، يدخل قلبك دون استئذان ، ويحرك مشاعر الوجد فيك ، ولا تملك سوى اعادته لتلتذ بسماعه دون ملل ، تدهشك وردة بلوحتها الطربية ( في يوم وليلة ) التي كتب كلماتها الشاعر حسين السيد  ولحنها الموسيقار محمد عبد الوهاب ، وانت تستمع يحضرك سؤال لطالما تكرر : أين ذهبت تلك الأصوات الصادحة كبلابل الصباح وسكينة ليل الريف ، الكلمات التي تفوح بصدق المشاعر ، هل لأننا غادرنا الحب العذري بأشواقه اللاهبة ، وحسراته المتكسرة في الصدور ، وصوره المتخيلة بحسب الهوى ، وليس كما يجسدها هاتفنا الذكي اليوم ؟ . لم يبق من ذاك الحب سوى الحرمان من الأجساد ، فكل شيء صار متاحا من غزل الكلمات الى بهرجة الصور ، تلاشت حرقة الانتظار وشوق المواعيد ، فلا حاجة ملحة للقاء الغد ، فما يُراد يتحقق آنيا ، وفي لحظة الرغبة ، لا خوف او تحسب او تهرب من مطاردة عيون الآباء او تعصب الاخوان  . فما عدنا أوفياء حتى للنوافذ التي شاركتنا لحظات الارتباك ، كم مدينون لها  ، ما فرطت يوما بأسرارنا عندما ننظر خلسة للحبيب من وراء زجاجها ، او من فتحة صغيرة بعرض اصبعين متلاصقين ، لنا وحدنا دون غيرنا ، وتحسبا من افتضاحنا كتمت صريرها .

ذاك زمن وهذا غيره ، وعبثا تبحث عن حرقة اللقاء ، فلا تستغرب  ان لم تتحرك المشاعر لهمسات كوكب الشرق الخائفة ( أغدا القاك ؟) ، فكم مرعب ذاك الغد الذي فيه من المعاني ما تعجز الكلمات عن قوله .

كل شيء فقد معناه في الروح والقلب ، وصار الجسد آخر حصون الحب ، وبتملكه يفقد الحب بريقه الأخاذ ، ولأنه آخر دروبه للمناورة ، غدا الجسد هما ، وعلينا ترميمه وصيانته ومحاكاة الجميل من الوجوه والأجساد ، حتى كدنا نتشابه ، فذابت هوية أجسادنا التي نتذرع بأي شيء لكشفها ، واطلاع الناظرين على رسومها ، حتى غدت الأجساد خامات للفنون بدل القماش والخشب والجدران ، لعلك تحظى بحب وان كان عابرا ، او نظرة اعجاب ترضي غرورا  ، او تبدد شكوكك بجسدك ، مع انك موقن في داخلك ان الأجساد هشة وان سميت قلاعا ، ونعتت بأحلى الأوصاف وأرق الكلمات ، فباب محاكمنا يشهد انتحار تلك القلاع وبالمئات يوميا .

ليس هذا غريبا ، بل انت الغريب ، فما زلت تقارن هذا بذاك ، وتتحسر ، وقد تذرف دمعة لحب عذري غادره الجميع ، ولا يبحث عنه سواك ، تريده أصيلا ، لأنك تدرك ان الحياة لن تستقيم بلا حب ، وترى بعينك كثرة كهنة الكراهية ، وباتت متاحة ذرائع محاربة الحب وعلى أرصفة الطريق ، فلا تندهش من انطفاء أضواء المدينة ، وتيبس أنهارها ، فالشمس لن تشرق أبدا ان غرب الحب .

عندما ينتعش الحب ، ويستحضر صوره القديمة ، تستعيد الحناجر لمعانها ، والروح بهجتها ، والمشاعر صدقها ، والكلمات معانيها ، والحياة رونقها ، يقهقه الآخرون: عن أي شيء تتحدث يا هذا ،  فلست سوى (هذا ) الذي سيغادر الذاكرة رويد رويدا ، وستفقد وجودك القريب لتكون ( ذاك ) ، وبعدها تتلاشى عن مسرحنا المفعم بالأشكال ، فذائقتك ما عادت تروق لنا   ، فلا تتعب نفسك في استذكار ما تراه نبيلا . نعم أعرف ذلك تماما ،  فقد اهتزت القيم ، وتبدل سلمّها ، وصار أسفلها عاليها ، ونحن نتفرج على تدحرج الأصيل منها دون أن يتحرك ضمير ، او نبدي قلقا ، ليس في الحب فحسب ، بل في مختلف أعمدة الحياة ، والحب أولها ، ومع ان بذرته مغروسة في الروح ، لكنها عصية على النمو  ، يخيم عليها زمهرير اللامبالاة ،  لا باب غير باب المدرسة لاسترجاع العافية . ايه ، أين ذهب بي الكلام  ، كل ذلك حدث لمرأى مشهد تلفزيوني لاثنين يتبادلان حبا باهتا عبر هاتف ذكي ، الباهت يسورنا.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قيم الموضوع
(0 أصوات)

صحيفه الحدث

Facebook TwitterGoogle BookmarksLinkedin
Pin It
Designed and Powered By ENANA.COM

© 2018 جميع الحقوق محفوظه لوكاله الحدث الاخباريه